كالفساد كان ذلك إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب بلادهم . وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال : أجد في كتاب الله أن الظلم يخرب البيوت وتلا : ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴾ . وهذا من أسلوب أخذ كل ما يحتمل من معاني الكلام في القرآن كما ذكرناه في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير .
ونزيده هنا ما لم يسبق لنا في نظائره ، وهو أن الحقائق العقلية لما كان قوام ماهياتها حاصلا في الوجود الذهني كان بين كثير منها انتساب وتقارب يرد بعضها إلى بعض باختلاف الاعتبار . فالشرك مثلا حقيقة معروفة يكون بها جنسا عقليا وهو بالنظر إلى ما يبعث عليه وما ينشأ عنه ينتسب إلى حقائق أخرى مثل الظلم ، أي الاعتداء على الناس بأخذ حقوقهم فإنه من أسبابه ، ومثل الفسق فإنه من آثاره ، وكذلك التكذيب فإنه من آثاره أيضا : ﴿ وذرني والمكذبين ﴾ ( المزمل : 11 ) ، ومثل الكبر ومثل الإسراف فإنهما من آثاره أيضا . فمن أساليب القرآن أن يعبر عن الشرك بألفاظ هذه الحقائق للإشارة إلى أنه جامع عدة فظائع ، وللتنبيه على انتسابه إلى هذه الأجناس ، وليعلم المؤمنون فساد هذه الحقائق من حيث هي فيعبر عنه هنا بالظلم وهو كثير ليعلم السامع أن جنس الظلم قبيح مذموم ، ناهيك أن الشرك من أنواعه . وكذلك قوله : ﴿ إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ﴾ ( غافر : 28 ) أي هو متأصل في الشرك وإلا فإن الله هدى كثيرا من المسرفين والكاذبين بالتوبة ، ومن قوله : ﴿ أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ ( الزمر : 60 ) ونحو ذلك .
وجملة : ﴿ إن في ذلك لآية ﴾ معترضة بين الجمل المتعاطفة . والإشارة إلى ما ذكر من عاقبة مكرهم . والآية : الدليل على انتصار الله لرسله .
واللام في ﴿ لقوم يعلمون ﴾ لام التعليل يعني آية لأجلهم ، أي لأجل إيمانهم . وفيه تعريض بأن المشركين الذين سبقت إليهم هذه الموعظة إن لم يتعظوا بها فهم قوم لا يعلمون .
وفي ذكر كلمة ( قوم ) إيماء إلى أن من يعتبر بهذه الآية متمكن في العقل حتى كان العقل من صفته القومية ، كما تقدم في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة ( 164 ) .