تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بحيث لا تفهمهم . وقالوا ذلك بهجين بأن فيهم من له من العلم ما ليس لملأ ملكة سبأ ، أي لا ننسى بما نشاهده من بهرجات هذه الملكة أننا في حالة عقلية أفضل . وأرادوا بالعلم علم الحكمة الذي علمه الله سليمان ورجال مملكته وتشاركهم بعض أهل سبأ في بعضه فقد كانوا أهل معرفة أنشأوا بها حضارة مبهتة .

فمعنى : ﴿ من قبلها ﴾ إن حمل على ظاهره أن قومهم بني إسرائيل كانوا أسبق في معرفة الحكمة وحضارة الملك من أهل سبأ لأن الحكمة ظهرت في بني إسرائيل من عهد موسى ، فقد سن لهم الشريعة ، وأقام لهم نظام الجماعة ، وعلمهم أسلوب الحضارة بتخطيط رسوم مساكنهم وملابسهم ونظام الجيش والحرب والمواسم والمحافل . ثم أخذ ذلك يرتقي إلى أن بلغ غاية بعيدة في مدة سليمان ، فبهذا الاعتبار كان بنو إسرائيل أسبق إلى علم الحكمة قبل أهل سبأ ، وإن أريد ب ﴿ من قبلها ﴾ القبلية الاعتبارية وهي الفضل والتفوق في المزايا وهو الأليق بالمعنى كان المعنى : إنا أوسع وأقوى منها علما ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( نحن الأولون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ) أي نحن الأولون في غايات الهدى ، وجعل مثلا لذلك اهتداء أهل الإسلام ليوم الجمعة فقال : ( وهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله إليه ) . فكان الأرجح أن يكون معنى ﴿ من قبلها ﴾ أنا فائتونها في العلم وبالغون ما لم تبلغه . وزادوا في إظهار فضلهم عليها بذكر الناحية الدينية ، أي وكنا مسلمين دونها . وفي ذكر فعل الكون دلالة على تمكنهم من الإسلام منذ القدم .

وصدها هي عن الإسلام ما كانت تعبد من دون الله ، أي صدها معبودها من دون الله ، ومتعلق الصد محذوف لدلالة الكلام عليه في قوله : ﴿ وكنا مسلمين ﴾ . وما كانت تعبده هو الشمس . وإسناد الصد إلى المعبود مجاز عقلي لأنه سبب صدها عن التوحيد كقوله تعالى : ﴿ وما زادوهم غير تتبيب ﴾ ( هود : 101 ) وقوله : ﴿ غر هؤلاء دينهم ﴾ ( الأنفال : 49 ) .

وفي ذكر فعل الكون مرتين في ﴿ ما كانت تعبد ﴾ . و ﴿ إنها كانت من قوم كافرين ﴾ دلالة على تمكنها من عبادة الشمس وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين ، فالشرك منطبع في نفسها بالوراثة ، فالكفر قد أحاط بها

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٢٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٢٧٤