وقال الشيخ ابن أبي زيد في ( الرسالة ) : ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها . فقول سليمان ﴿ لأعذبنه عذابا شديدا ﴾ شريعة منسوخة .
أما العقاب الخفيف للحيوان لتربيته وتأديبه كضرب الخيل لتعليم السير ونحو ذلك فهو مأذون فيه لمصلحة السير ، وكذلك السبق بين الخيل مع ما فيه من إتعابها لمصلحة السير عليها في الجيوش .
و ﴿ أو ﴾ تفيد أحد الأشياء فقوله : ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ جعله ثالث الأمور التي جعلها جزاء لغيبته وهو أن يأتي بما يدفع به العقاب عن نفسه من عذر في التخلف مقبول .
والسلطان : الحجة . والمبين : المظهر لحق المحتج بها . وهذه الزيادة من النبي سليمان استقصاء للهدهد في حقه لأن الغائب حجته معه .
وأكد عزمه على عقابه بتأكيد الجملتين ﴿ لأعذبنه لأذبحنه ﴾ باللام الموكدة التي تسمى لام القسم وبنون التوكيد ليعلم الجند ذلك حتى إذا فقد الهدهد ولم يرجع يكون ذلك التأكيد زاجرا لباقي الجند عن أن يأتوا بمثل فعلته فينالهم العقاب .
وأما تأكيد جملة : ﴿ أو ليأتيني بسلطان مبين ﴾ فلإفادة تحقيق أنه لا منجى له من العقاب إلا أن يأتي بحجة تبرر تغيبه ، لأن سياق تلك الجملة يفيد أن مضمونها عديل العقوبة . فلما كان العقاب مؤكدا محققا فقد اقتضى تأكيد المخرج منه لئلا يبرئه منه إلا تحقق الإتيان بحجة ظاهرة لئلا تتوهم هوادة في الإدلاء بالحجة فكان تأكيد العديل كتأكيد معادله . وبهذا يظهر أن ﴿ أو ﴾ الأولى للتخيير و ﴿ أو ﴾ الثانية للتقسيم . وقيل جيء بتوكيد جملة : ﴿ ليأتيني ﴾ مشاكلة للجملتين اللتين قبلها وتغليبا . واختاره بعض المحققين وليس من التحقيق .
وكتب في المصاحف ﴿ لا أذبحنه ﴾ بلام ألفف بعدها ألف حتى يخال أنه نفي الذبح وليس بنفي ، لأن وقوع نون التوكيد بعده يؤذن بأنه إثبات إذ لا يؤكد المنفي بنون التأكيد إلا نادرا في كلامهم ، ولأن سياق الكلام والمعنى حارس من تطرق