ومعنى : ﴿ وذكروا الله كثيرا ﴾ إي كان إقبالهم على القرآن والعبادة أكثر من إقبالهم على الشعر . ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ وهم من أسلموا من الشعراء وقالوا الشعر في هجاء المشركين والانتصار للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل الذين أسلموا وهاجروا إلى الحبشة ، فقد قالوا شعرا كثيرا في ذم المشركين . وكذلك من أسلموا من الأنصار كعبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت ومن أسلم بعد من العرب مثل لبيد ، وكعب بن زهير ، وسحيم عبد بني الحسحاس ، وليس ذكر المؤمنين من الشعراء بمقتضي كون بعض السورة مدنيا كما تقدم في الكلام على ذلك أول السورة .
وقد دلت الآية على أن للشعر حالتين : حالة مذمومة ، وحالة مأذونة ، فتعين أن ذمه ليس لكونه شعرا ولكن لما حف به من معان وأحوال اقتضت المذمة ، فانفتح بالآية للشعر باب قبول ومدح فحق على أهل النظر ضبط الأحوال التي تأوي إلى جانب قبوله أو إلى جانب مدحه ، والتي تأوي إلى جانب رفضه . وقد أومأ إلى الحالة الممدوحة قوله : ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ ، وإلى الحالة المأذونة قوله : ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ . وكيف وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الشعر مما فيه محامد الخصال واستنصت أصحابه لشعر كعب بن زهير مما فيه دقة صفات الرواحل الفارهة ، على أنه أذن لحسان في مهاجاة المشركين وقال له : ( كلامك أشد عليهم من وقع النبل . . ) وقال له : ( قل ومعك روح القدس ) . وسيأتي شيء من هذا عند قوله تعالى : { وما علمناه الشعر وما ينبغي له في سورة يس ( 69 ) . وأجاز عليه كما أجاز كعب بن زهير فخلع عليه بردته ، فتلك حالة مقبولة لأنه جاء مؤمنا .
وقال أبو هريرة : سمعت رسول الله يقول على المنبر : أصدق كلمة ، أو أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكان يستنشد شعر أمية بن أبي الصلت لما فيه من الحكمة وقال : كاد أمية أن يسلم ، وأمر حسانا بهجاء المشركين وقال له : قل ومعك روح القدس . وقال لكعبب بن مالك : لكلامك أشد عليهم من وقع النبل .