عقب جزء ، وما قاله أيضا : ( أنه كان ينزل على حسب الدواعي والحوادث وجوابات السائلين ) اه ، أي فيكونون أوعى لما ينزل فيه لأنهم بحاجة إلى علمه ، فيكثر العمل بما فيه وذلك مما يثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ويشرح صدره .
وما قاله بعد ذلك : ( إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفارق كلما نزل شيء منها ، أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ) اه .
ومنه ما قاله الجد الوزير رحمه الله : إن القرآن لو لم ينزل منجما على حسب الحوادث لما ظهر في كثير من آياته مطابقتها لمقتضى الحال ومناسبتها للمقام وذلك من تمام إعجازها . وقلت : إن نزوله منجما أعون لحفاظه على فهمه وتدبره .
وقوله : ﴿ ورتلناه ترتيلا ﴾ عطف على قوله ﴿ كذلك ﴾ ، أي أنزلناه منجما ورتلناه ، والترتيل يوصف به الكلام إذا كان حسن التأليف بين الدلالة . واتفقت أقوال أيمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم : ثغر مرتل ورتل ، إذا كانت أسنانه مفلجة تشبه نور الأقحوان . ولم يوردوا شاهدا عليه من كلام العرب .
والترتيل يجوز أن يكون حالة لنزول القرآن ، أي نزلناه مفرقا منسقا في ألفاظه ومعانيه غير متراكم فهو مفرق في الزمان فإذا كمل إنزال سورة جاءت آياتها مرتبة متناسبة كأنها أنزلت جملة واحدة ، ومفرق في التأليف بأنه مفصل واضح . وفي هذا إشارة إلى أن ذلك من دلائل أنه من عند الله لأن شأن كلام الناس إذا فرق تأليفه على أزمنة متباعدة أن يعتوره التفكك وعدم تشابه الجمل .
ويجوز أن يراد ب ﴿ رتلناه ﴾ أمرنا بترتيله ، أي بقراءته مرتلا ، أي بتمهل بأن لا يعجل في قراءته بأن تبين جميع الحروف والحركات بمهل ، وهو المذكور في سورة المزمل ( 4 ) في قوله تعالى : ﴿ ورتل القرآن ترتيلا ﴾ .
و ﴿ ترتيلا ﴾ مصدر منصوب على المفعول المطلق قصد به ما في التنكير من معنى التعظيم فصار المصدر مبينا لنوع الترتيل .