تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقدم عليها همزة الاستفهام اتباعا للاستعمال المعروف وهو صدارة أدوات الاستفهام . وفعل الرؤية قلبي .

ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة التعجيب مما يعلم من شأنه . ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى : ﴿ أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا ﴾ ( النجم : 33 ، 34 ) الآية ، ومنه تعقيب قوله هنا ﴿ أفرأيتم ما كنتم تعبدون ﴾ بقوله : ﴿ فإنهم عدو لي ﴾ .

وعطف ﴿ آباؤكم ﴾ على ﴿ أنتم ﴾ لزيادة إظهار قلة اكتراثه بتلك الأصنام مع العلم بأن الأقدمين عبدوها فتضمن ذلك إبطال شبهتهم في استحقاقها العبادة .

ووصف الآباء بالأقدمية إيغال في قلة الاكتراث بتقليدهم لأن عرف الأمم أن الآباء كلما تقادم عهدهم كان تقليدهم آكد .

والفاء في قوله : ﴿ فإنهم عدو لي ﴾ للتفريع على ما اقتضته جملة : ﴿ أفرأيتم ما كنتم تعبدون ﴾ من التعجيب من شأن عبادتهم إياها . ويجوز جعل الرؤية بصرية لها مفعول واحد وجعل الاستفهام تقريريا والكلام مستعمل في التنبيه لشيء يريد المتكلم الحديث عنه ليعيه السامع حق الوعي ، أو فاء فصيحة بتقدير : إن رأيتموهم فاعلموا أنهم عدو لي . وهذا الوجه أظهر .

والاستثناء في قوله : ﴿ إلا رب العالمين ﴾ منقطع . و ﴿ إلا ﴾ بمعنى ( لكن ) إذا كان رب العالمين غير مشمول لعبادتهم إذ الظاهر أنهم ما كانوا يعترفون بالخالق ولم يكونوا يجعلون آلهتهم شركاء لله كما هو حال مشركي العرب ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ قال بل فعله كبيرهم هذا ﴾ ( الأنبياء : 63 ) فهو الصنم الأعظم عندهم ، وإلى قوله : ﴿ قال أتحاجوني في الله وقد هدان ﴾ ( الأنعام : 80 ) . ويظهر أن الكلدانيين ( قوم إبراهيم ) لم يكونوا يؤمنون بالخالق الذي لا تدركه الأبصار . وكان أعظم الآلهة عندهم هو كوكب الشمس والصنم الذي يمثل الشمس هو ( بعل ) ، فوظيفة الأصنام عندهم تدبير شؤون الناس في حياتهم . وأما الإيجاد والإعدام فكانوا من الذين يقولون ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ ( الجاثية : 24 ) وأن الإيجاد من أعمال التناسل وهم في غفلة عن سر تكوين تلك النظم الحيوانية وإيداعها فيها . وقد يكونون معترفين برب عظيم خالق للأكوان وإنما جعلوا الأصنام شركاء له في التصرف في

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ١٤١