تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هاذين الوجهين ما بين الحالين وضمير ( بينهما ) للمشرق والمغرب فكأنه قيل وما بين المشرق والمغرب وما بين المغرب والمشرق ، أي ما يقع في خلال ذلك من الأحوال ، فأما ما بين الشروق والغروب فالضحى والزوال والعصر والاصفرار ، وأما ما بين الغروب والشروق فالشفق والفجر والإسفار كلها دلائل على تكوين ذلك النظام العجيب المتقن .

وقيل المراد برب المشرق والمغرب مالك الجهتين . وهذا التفسير يفيت مناسبة الكلام لمقام الاستدلال بعظيم ولا يلاقي التذييل الواقع بعده في قوله : ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ .

وتانك الجهتان هما منتهى الأرض المعروفة للناس يومئذ فكأنه قيل : رب طرفي الأرض ، وهو كناية عن كون جميع الأرض ملكا لله . وهذا استدلال عرفي إذ لم يكونوا يعرفون يومئذ ملكا يملك ما بين المشرق والمغرب ، وما كان ملك فرعون المؤله عندهم إلا لبلاد مصر والسودان .

والتذييل بجملة : ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ تنبيه لنظرهم العقلي ليعاودوا النظر فيدركوا وجه الاستدلال ، أي إن كنتم تعملون عقولكم ، ومن اللطائف جعل ذلك مقابل قول فرعون : إن رسولكم لمجنون ، لأن الجنون يقابله العقل فكان موسى يقول لهم قولا لينا ابتداء ، فلما رأى منهم المكابرة ووصفوه بالجنون خاشنهم في القول وعارض قول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ ( الشعراء : 27 ) فقال : ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ أي إن كنتم أنتم العقلاء ، أي فلا تكونوا أنتم المجانين ، وهذا كقول أبي تمام للذين قالا له : ( لم تقول ما لا يفهم ) قال : ( لم لا تفهمان ما يقال ) .

| 2 ( 29 ) ﴿ قال لئن اتخذت إلاها غيرى لأجعلنك من المسجونين ﴾ . ) 2

لما لم يجد فرعون لحجاجه نجاحا ورأى شدة شكيمة موسى في الحق عدل عن الحجاج إلى التخويف ليقطع دعوة موسى من أصلها . وهذا شأن من قهرته الحجة ، وفيه كبرياء أن ينصرف عن الجدل إلى التهديد .

واللام في قوله : ﴿ لئن اتخذت إلاها ﴾ موطئة للقسم . والمعنى أن فرعون أكد وعيده بما يساوي اليمين المجملة التي تؤذن بها اللام الموطئة في اللغة العربية كأن

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ١٢١