وأن الأفصح أن يكون ما بعدها مجرورا باللام فيكون على الاستغناء عن فاعل اسم الفعل للعلم به مما يسبق ( هيهات ) من الكلام لأنها لا تقع غالبا إلا بعد كلام ، وتجعل اللام للتبيين ، أي إيضاح المراد من الفاعل ، فيحصل بذلك إجمال ثم تفصيل يفيد تقوية الخبر . وهذه اللام ترجع إلى لام التعليل . وإذا ورد ما بعدها مجرورا ب ( من ) ف ( من ) بمعنى ( عن ) أي بعد عنه أو بعدا عنه .
على أنه يجوز أن تؤول ( هيهات ) مرة بالفعل وهو الغالب ومرة بالمصدر فتكون اسم مصدر مبنيا جامدا غير مشتق . ويكون الإخبار بها كالإخبار بالمصدر ، وهو الوجه الذي سلكه الزجاج في تفسير هذه الآية ويشير كلام الزمخشري إلى اختياره .
وجاء هنا فعل ﴿ توعدون ﴾ من ( أوعد ) وجاء قبله فعل ﴿ أيعدكم ﴾ وهو من ( وعد ) مع أن الموعود به شيء واحد . قال الشيخ ابن عرفة : لأن الأول : راجع إليهم في حال وجودهم فجعل وعدا ، والثاني راجع إلى حالتهم بعد الموت والانعدام فناسب التعبير عنه بالوعيد اه .
وأقول : أحسن من هذا أنه عبر مرة بالوعد ومرة بالوعيد على وجه الاحتباك ، فإن إعلامهم بالبعث مشتمل على وعد بالخير إن صدقوا وعلى وعيد إن كذبوا ، فذكر الفعلان على التوزيع إيجازا .
وقوله : ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ يجوز أن يكون بيانا للاستبعاد الذي في قوله : ﴿ هيهات لما توعدون ﴾ واستدلالا وتعليلا له ، ولكلا الوجهين كانت الجملة مفصولة عن التي قبلها .
وضمير ﴿ هي ﴾ عائد إلى ما لم يسبق في الكلام بل عائد على مذكور بعده قصدا للإبهام ثم التفصيل ليتمكن المعنى في ذهن السامع . وهذا من مواضع عود الضمير على ما بعده إذا كان ما بعده بيانا له ، ولذلك يجعل