( هذه الآية مكررة :
﴿ ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ﴾ . )
هذا رد على قولهم : ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ ( الفرقان : 7 ) بعد أن رد عليهم قولهم ﴿ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ ( الفرقان : 8 ) بقوله : ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ﴾ ( الفرقان : 10 ) ، ولكن لما كان قولهم : ﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾ حالة لم تعط للرسل في الحياة الدنيا كان رد قولهم فيها بأن الله أعطاه خيرا من ذلك في الآخرة .
وأما قولهم : ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ فقد توسلوا به إلى إبطال رسالته بثبوت صفات البشر له ، فكان الرد عليهم بأن جميع الرسل كانوا متصفين بصفات البشر ، ولم يكن المشركون منكرين وجود رسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم فقد قالوا : ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ﴾ ( الأنبياء : 5 ) ، وإذ كانوا موجودين فبالضرورة كانوا يأكلون الطعام إذ هم من البشر ويمشون في أسواق المدن والبادية لأن الدعوة تكون في مجامع الناس . وقد قال موسى ﴿ موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ﴾ ( طه : 59 ) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو قريشا في مجامعهم ونواديهم ويدعو سائر العرب في عكاظ وفي أيام الموسم .
وجملة : ﴿ ليأكلون الطعام ﴾ في موضع الحال لأن المستثنى منه عموم الأحوال . والتقدير : وما أرسلنا قبلك من المرسلين في حالل إلا في حال ﴿ إنهم ليأكلون الطعام ﴾ . والتوكيد ب ( إن ) واللام لتحقيق وقوع الحال تنزيلا للمشركين في تناسيهم أحوال الرسل منزلة من ينكر أن يكون الرسل السابقون يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق . ولم تقترن جملة الحال بالواو لأن وجود أداة الاستثناء كاف في الربط ولا سيما وقد تأكد الربط بحرف التوكيد فلا يزاد حرف آخر فيتوالى أربعة حروف وهي : إلا ، وإن ، واللام ، ويزاد الواو بخلاف قوله تعالى : ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ ( الحجر : 4 ) ، وقوله : ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ﴾ ( الشعراء : 208 ) .
وإنما أبقى الله الرسل على الحالة المعتادة للبشر فيما يرجع إلى أسباب الحياة المادية إذ لا حكمة في تغيير حالهم عن ذلك وإنما يغير الله حياتهم