ف ﴿ نطفة ﴾ منصوب على الحال وقوله : ﴿ في قرار مكين ﴾ هو المفعول الثاني ل ﴿ جعلناه ﴾ . و ﴿ ثم ﴾ للترتيب الرتبي لأن ذلك الجعل أعظم من خلق السلالة . فضمير ﴿ جعلناه ﴾ عائد إلى الإنسان باعتبار أنه من السلالة ، فالمعنى : جعلنا السلالة في قرار مكين ، أي وضعناها فيه حفظا لها ، ولذلك غير في الآية التعبير عن فعل الخلق إلى فعل الجعل المتعدي ب ( في ) بمعنى الوضع .
والقرار في الأصل : مصدر قر إذا ثبت في مكانه ، وقد سمي به هنا المكان نفسه . والمكين : الثابت في المكان بحيث لا يقلع من مكانه ، فمقتضى الظاهر أن يوصف بالمكين الشيء الحال في المكان الثابت فيه . وقد وقع هنا وصفا لنفس المكان الذي استقرت فيه النطفة ، على طريقة المجاز العقلي للمبالغة ، وحقيقته مكين حاله ، وقد تقدم قوله تعالى : ﴿ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ﴾ في سورة الكهف ( 37 ) وقوله : { فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة في سورة الحج ( 5 ) .
ويجوز أن يراد بالإنسان في قوله : ولقد خلقنا الإنسان } آدم . وقال بذلك قتادة فتكون السلالة الطينة الخاصة التي كون الله منها آدم وهي الصلصال الذي ميزه من الطين في مبدإ الخليقة ، فتلك الطينة مسلولة سلا خاصا من الطين ليتكون منها حي ، وعليه فضمير ﴿ جعلناه نطفة ﴾ على هذا الوجه عائد إلى الإنسان باعتبار كونه نسلا لآدم فيكون في الضمير استخدام ، ويكون معنى هذه الآية كمعنى قوله تعالى : ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ﴾ ( السجدة : 7 ، 8 ) .
وحرف ( ثم ) في قوله : ﴿ ثم خلقنا النطفة علقة ﴾ للترتيب الرتبي إذ كان خلق النطفة علقة أعجب من خلق النطفة إذ قد صير الماء السائل دما جامدا فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عوامل أودعها الله في الرحم .
ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم العلقة فإنه وضع بديع لهذا الاسم إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت