فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريما باتا . فحرم على المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك ولا فائدة لهن فيه ، ثم لم يلبث أن حرم تحريما مطلقا كما دل عليه حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي ، فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء .
وقد يكون هذا الاحتمال معضودا بقوله تعالى بعده : ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ كما يأتي .
وفي ( تفسير الأصفهاني ) : ( وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا ) . وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل بعد هذه الآيات ولا يعرف هذا .
وقوله : ﴿ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ متعلق ب ﴿ تكرهوا ﴾ أي لا تكرهوهن لهذه العلة . ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر ﴿ إن أردن تحصنا ﴾ .
و ﴿ عرض الحياة ﴾ هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم وهو ما يسمى بالمهر أيضا .
وأما قوله : ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ فهو صريح في أنه حكم متعلق بالمستقبل لأنه مضارع في حيز الشرط ، وهو صريح في أنه عفو عن إكراه .
والذي يشتمل عليه الخبر جانبان : جانب المكرهين وجانب المكرهات ( بفتح الراء ) ، فأما جانب المكرهين فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم بعد أن نهاهم عن الإكراه إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن .
وأما الإماء المكرهات فإن الله غفور رحيم لهن . وقد قرأ بهذا المقدر عبد الله بن مسعود وابن عباس فيما يروى عنهما وعن الحسن أنه كان يقول :