إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله ، أي الرشد الذي أرشده . وفائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد ، أي رشدا يليق به ؛ ولأن رشد إبراهيم قد كان مضرب الأمثال بين العرب وغيرهم ، أي هو الذي علمتم سمعته التي طبقت الخافقين فما ظنكم برشد أوتيه من جانب الله تعالى ، فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام كانت مفيدة للاختصاص فكأنه انفرد به . وفيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه .
وزاده تنويها وتفخيما تذييله بالجملة المعترضة قوله تعالى : ﴿ وكنا به عالمين ﴾ أي آتيناه رشدا عظيما على علم منا بإبراهيم ، أي بكونه أهلا لذلك الرشد ، وهذا العلم الإلهي متعلق بالنفسية العظيمة التي كان بها محل ثناء الله تعالى عليه في مواضع كثيرة من قرآنه ، أي علم من سريرته صفات قد رضيها وأحمدها فاستأهل بها اتخاذه خليلا . وهذا كقوله تعالى : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ ( الدخان : 32 ) وقوله تعالى : ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ ( الأنعام : 124 ) .
وقوله ﴿ من قبل ﴾ أي من قبل أن نوتي موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا . ووجه ذكر هذه القبلية التنبيه على أنه ما وقع إيتاء الذكر موسى وهارون إلا لأن شريعتهما لم تزل معروفة مدروسة .
و ﴿ إذ قال ﴾ ظرف لفعل ﴿ آتينا ﴾ أي كان إيتاؤه الرشد حين قال لأبيه وقومه : ﴿ ما هذه التماثيل ﴾ الخ ، فذلك هو الرشد الذي أوتيه ، أي حين نزول الوحي إليه بالدعوة إلى توحيد الله تعالى ، فذلك أول ما بدىء به من الوحي .
وقوم إبراهيم كانوا من ( الكلدان ) وكان يسكن بلدا يقال له ( كوثى ) بمثلثة في آخره بعدها ألف . وهي المسماة في التوراة ( أور الكلدان ) ، ويقال : أيضا إنها ( أورفة ) في ( الرها ) ،