ذلك على الاستهزاء بالوعيد ، وهو قوله تعالى : ﴿ بل متعنا هؤلاء وآباءهم ﴾ ، أي فما هم مستمرون فيه من النعمة إنما هو تمتيع وإمهال كما متعنا آباءهم من قبل ، وكما كان لآبائهم آجال انتهوا إليها كذلك يكون لهؤلاء ، ولكن الآجال تختلف بحسب ما علم الله من الحكمة في مداها حتى طالت أعمار آبائهم . وهذا تعريض بأن أعمار هؤلاء لا تبلغ أعمار آبائهم ، وأن الله يحل بهم الهلاك لتكذيبهم إلى أمد علمه .
وقد وجه الخطاب إليهم ابتداء بقوله تعالى : ﴿ قل من يكلؤكم ﴾ ، ثم أعرض عنهم من طريق الخطاب إلى طريق الغيبة لأن ما وجه إليهم من إنكار أن يكلأهم أحد من عذاب الله جعلهم أحرياء بالإعراض عنهم كما في قوله تعالى : ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها الآية في سورة ﴾ ( يونس : 22 ) .
و ﴿ يصحبون ﴾ إما مضارع صحبه إذا خالطه ولازمه ، والصحبة تقتضي النصر والتأييد ، فيجوز أن يكون الفاعل الذي ناب عنه من أسند إليه الفعل المبني للنائب مرادا به الله تعالى ، أي لا يصحبهم الله ، أي لا يؤيدهم ؛ فيكون قوله تعالى : ﴿ منا ﴾ متعلقا ب ﴿ يصحبون ﴾ على معنى ( من ) الاتصالية ، أي صحبة متصلة بنا بمعنى صحبة متينة . وهذا نفي لما اعتقده المشركون بقولهم ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ ( الزمر : 3 ) .
ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف محذوفا لقصد العموم ، أي لا يصحبهم صاحب ، أي لا يجيرهم جار فإن الجوار يقتضي حماية الجار فيكون قوله تعالى : ﴿ منا ﴾ متعلقا ب ﴿ يصحبون ﴾ على معنى ( من ) التي بمعنى ( على ) كقوله تعالى : ﴿ فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا ﴾ ( غافر : 29 ) .
وإما مضارع أصحبه المهموز بمعنى حفظه ومنعه ، أي من السوء .
والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ لحاضرين في الأذهان وهم كفار قريش .