الأولون ، وتجهيلا لألبابهم التي لم تدرك عظم الآية التي جاءتهم كما أنبأ بذلك موقع هذه الجملة في هذا المكان .
وفي ضمير ذلك تحقيق لكون القرآن حقا ، وتذكير بما يشتمل عليه من المنافع التي عموا عنها فيما حكي عنهم أول السورة بقوله تعالى : ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم ﴾ ( الأنبياء : 2 3 ) كما أنبأ بذلك ظاهر معنى الآية .
ولقصد هذا الإيقاظ صدرت الجملة بما يفيد التحقيق من لام القسم وحرف التحقيق وجعل إنزال الكتاب إليهم كما اقتضته تعدية فعل ﴿ أنزلنا ﴾ بحرف ( إلى ) شأن تعدية فعل الإنزال أن يكون المجرور ب ( إلى ) هو المنزل إليه فجعل الإنزال إليهم لكونهم بمنزلة من أنزل إليه نظرا إلى أن الإنزال كان لأجلهم ودعوتهم . وذلك أبلغ من أن يقال : لقد أنزلنا لكم .
وتنكير ﴿ كتابا ﴾ للتعظيم إيماء إلى أنه جمع خصلتين عظيمتين : كونه كتاب هدى ، وكونه آية ومعجزة للرسول صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو مدانيه .
والذكر يطلق على التذكير بما فيه الصلاح ، ويطلق على السمعة والصيت كقوله ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكرياء ﴾ ( مريم : 2 ) . وقد أوثر هذا المصدر هنا وجعل معرفا بالإضافة إلى ضمير المخاطبين ليكون كلاما موجها فيصح قصد المعنيين معا من كلمة ( الذكر ) بأن مجيء القرآن مشتملا على أعظم الهدى ، وهو تذكير لهم بما به نهاية إصلاحهم ، ومجيئه بلغتهم ، وفي قومهم ، وبواسطة واحد منهم ، سمعة عظيمة لهم كما قال تعالى : ﴿ بلسان عربي مبين ﴾ ( الشعراء : 195 ) وقال ﴿ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ﴾ ( البقرة : 151 ) .