فيحتمل أن يكون موقعها استئنافا ابتدائيا أريد به ذكر فريق ثالث غير الفريقين المتقدمين في قوله تعالى : ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ﴾ ( الحج : 8 ) الآية ، وقوله : ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ ( الحج : 11 ) . وهذا الفريق الثالث جماعة أسلموا واستبطأوا نصر المسلمين فأيسوا منه وغاظهم تعجلهم للدخول في الإسلام وأن لم يتريثوا في ذلك وهؤلاء هم المنافقون .
ويحتمل أن يكون موقعها تذييلا لقوله : ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ ( الحج : 11 ) الآية بعد أن اعترض بين تلك الجملة وبين هاته بجمل أخرى فيكون المراد : أن الفريق الذين يعبدون الله على حرف والمخبر عنهم بقوله : ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ ( الحج : 11 ) هم قوم يظنون أن الله لا ينصرهم في الدنيا ولا في الآخرة إن بقوا على الإسلام .
فأما ظنهم انتفاء النصر في الدنيا فلأنهم قد أيسوا من النصر استبطاء ، وأما في الآخرة فلأنهم لا يؤمنون بالبعث ومن أجل هذا علق فعل ﴿ لن ينصره ﴾ بالمجرور بقوله ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ إيماء إلى كونه متعلق الخسران في قوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ ( الحج : 11 ) . فإن عدم النصر خسران في الدنيا بحصول ضده ، وفي الآخرة باستحالة وقوع الجزاء في الآخرة حسب اعتقاد كفرهم ، وهؤلاء مشركون مترددون .
ويترجح هذا الاحتمال بتغيير أسلوب الكلام ، فلم يعطف بالواو كما عطف قوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله ﴾ ( الحج : 11 ) ولم تورد فيه جملة ﴿ ومن الناس ﴾ كما أوردت في ذكر الفريقين السابقين ويكون المقصود من الآية تهديد هذا الفريق . فيكون التعبير عن هذا الفريق بقوله ﴿ من كان يظن ﴾ الخ إظهارا في مقام الإضمار ؛ فإن مقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير ذلك الفريق فيقال بعد قوله : ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ ( الحج : 14 ) ،