والذهول : نسيان ما من شأنه أن لا ينسى لوجود مقتضى تذكره ؛ إما لأنه حاضر أو لأن علمه جديد وإنما ينسى لشاغل عظيم عنه ، فذكر لفظ الذهول هنا دون النسيان لأنه أدل على شدة التشاغل . قاله شيخنا الجد الوزير قال : وشفقة الأم على الابن أشد من شفقة الأب ، فشفقتها على الرضيع أشد من شفقتها على غيره . وكل ذلك يدل بدلالة الأولى على ذهول غيرها من النساء والرجال . وقد حصل من هذه الكناية دلالة على جميع لوازم شدة الهول وليس يلزم في الكناية أن يصرح بجميع اللوازم لأن دلالة الكناية عقلية وليست لفظية .
والتحقت هاء التأنيث بوصف ﴿ مرضعة ﴾ للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل ، فإن الفعل الذي لا يوصف بحدثه غير المرأة تلحقه علامة التأنيث ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبس بالإرضاع ، كما يقال : هي ترضع . ولولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال : كل مرضع ، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثى فلا يحتاج معه إلى الهاء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث والمذكر خيفة اللبس . وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة وقد تلقاها الجميع بالقبول ونظمها ابن مالك في أرجوزته ( الكافية ) بقوله :
وما من الصفات بالأنثى يخص
عن تاء استغنى لأن اللفظ نص
وحيث معنى الفعل تنوي التاء زد
كذي غدت مرضعة طفلا ولد
والمراد : أن ذلك يحصل لكل مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا . فالمعنى الحقيقي مراد ، فلم يقتض أن يكون الإرضاع واقعا ، فأطلق ذهول المرضع وذات الحمل وأريد ذهول كل ذي علق نفيس عن علقه على طريقة الكناية .
وزيادة كلمة ( كل ) للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع وليس هو لبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها . ثم