من آياتها ما يلائم أسلوب القرآن النازل بمكة . ومع هذا فليس الافتتاح ب ﴿ ياأيها الناس بمعين أن تكون مكية ، وإنما قال ابن عباس : ياأيها الناس يراد به المشركون . ولذا فيجوز أن يوجه الخطاب به إلى المشركين في المدينة في أول مدة حلول النبي بها ، فإن قوله : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ ( الحج : 25 ) يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صد المشركون النبي والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة . وكذلك قوله : ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ ( الحج : 39 40 ) فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة .
روى الترمذي بسنده عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيئهم ليهلكن فأنزل الله : ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ﴾ ( الحج : 39 40 ) ، وكذلك قوله : ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ﴾ ( الحج : 58 ) ففيه ذكر الهجرة وذكر من يقتل من المهاجرين وذلك مؤذن بجهاد متوقع كما سيجيء هنالك .
وأحسب أنه لم تتعين طائفة منها متوالية نزلت بمكة ونزل ما بعدها بالمدينة بل نزلت آياتها متفرقة . ولعل ترتيبها كان بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك كثير .
وقد قيل في قوله تعالى : ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ ( الحج : 19 ) إنه نزل في وقعة بدر ، لما في ( الصحيح ) عن علي وأبي ذر : أنها نزلت في مبارزة حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث مع شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر وكان أبو ذر يقسم على ذلك .