والمعنى : لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك ، أي أنه قد عهد من الله الاستجابة كلما دعاه .
وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه ، وتوسل إليه بما سلف له معه من الاستجابة .
روي أن محتاجا سأل حاتما الطائي أو معن بن زائدة قائلا : ( أنا الذي أحسنت إلي يوم كذا ) فقال : ( مرحبا بمن توسل بنا إلينا ) .
وجملة ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ عطف على جملة ﴿ واشتعل الرأس شيبا ، ﴾ أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي . وما روي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبي صالح عن النبيء صلى الله عليه وسلممرسلا أنه قال : ( يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله ) . فلعله خشي سوء معرفتهم بما يخلفه من الآثار الدينية والعلمية . وتلك أعلاق يعز على المؤمن تلاشيها ، ولذلك قال : ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فإن نفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع .
فقوله ﴿ يرثني ﴾ يعني به وراثة ماله . ويؤيده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبيء صلى الله عليه وسلمقال : ( يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله ) .
والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يورثون ، قال تعالى : ﴿ وورث سليمان داوود ﴾ ( النمل : 16 ) . وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم ( نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة ) فإنما يريد به رسول الله نفسه ، كما حمله عليه عمر في حديثه مع العباس وعلي في ( صحيح البخاري ) إذ قال عمر : ( يريد رسول الله بذلك نفسه ) ، فيكون ذلك