ويتعين أن لا يحمل القرنان على الحقيقة ، بل هما على التشبيه أو على الصورة . فالأظهر أن يكونا ذؤابتين من شعر الرأس متدليتين ، وإطلاق القرن على الضفيرة من الشعر شائع في العربية ، قال عمر بن أبي ربيعة :
فلثمت فاها آخذا بقرونها
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
وفي حديث أم عطية في صفة غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم عطية : ( فجعلنا رأسها ثلاثة قرون ) ، فيكون هذا الملك قد أطال شعر رأسه وضفره ضفيرتين فسمي ذا القرنين ، كما سمي خرباق ذا اليدين .
وقيل : هما شبه قرني الكبش من نحاس كانا في خوذة هذا الملك فنعت بهما . وقيل : هما ضربتان على موضعين من رأس الإنسان يشبهان منبتي القرنين من ذوات القرون .
ومن هنا تأتي الأقوال في تعيين ذي القرنين ، فأحد الأقوال : إنه الإسكندر بن فيليبوس المقدوني . وذكروا في وجه تلقيبه بذي القرنين أنه ضفر شعره قرنين . وقيل : كان يلبس خوذة في الحرب بها قرنان ، وقيل : رسم ذاته على بعض نقوده بقرنين في رأسه تمثيلا لنفسه بالمعبود ( آمون ) معبود المصريين وذلك حين ملك مصر .
والقول الثاني : إنه ملك من ملوك حمير هو تبع أبو كرب .
والقول الثالث : أنه ملك من ملوك الفرس وأنه ( أفريدون بن أثفيان بن جمشيد ) . هذه أوضح الأقوال ، وما دونها لا ينبغي التعويل عليه ولا تصحيح روايته .
ونحن تجاه هذا الاختلاف يحق علينا أن نستخلص من قصته في هذه الآية أحوالا تقرب تعيينه وتزييف ما عداه من الأقوال ، وليس يجب الاقتصار على تعيينه من بين أصحاب هذه الأقوال بل الأمر في ذلك أوسع .