يفيد عموم تصرفه تعالى في سائر الكائنات ، ثم فرع عليه أمر الرسول عليه السلام بعبادته ، فقد انتقل الخطاب إليه .
وارتفع ﴿ رب السموات ﴾ على الخبرية لمبتدأ محذوف ملتزم الحذف في المقام الذي يذكر فيه أحد بأخبار وأوصاف ثم يراد تخصيصه بخبر آخر . وهذا الحذف سماه السكاكي بالحذف الذي اتبع فيه الاستعمال كقول الصولي أو ابن الزبير بفتح الزاي وكسر الموحدة :
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي
أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
والسماوات : العوالم العلوية . والأرض : العالم السفلي ، وما بينهما : الأجواء والآفاق . وتلك الثلاثة تعم سائر الكائنات .
والخطاب في ﴿ فاعبده واصطبر ﴾ و ﴿ هل تعلم ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم
وتفريع الأمر بعبادته على ذلك ظاهر المناسبة ويحصل منه التخلص إلى التنويه بالتوحيد وتفظيع الإشراك .
والاصطبار : شدة الصبر على الأمر الشاق ، لأن صيغة الافتعال ترد لإفادة قوة الفعل . وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف ( على ) كما قال تعالى : ﴿ وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ ( طه : 132 ) ولكنه عدي هنا باللام لتضمينه معنى الثبات . أي اثبت للعبادة ، لأن العبادة مراتب كثيرة من مجاهدة النفس ، وقد يغلب بعضها بعض النفوس فتستطيع الصبر على بعض العبادات دون بعض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء : ( هي أثقل صلاة على المنافقين ) . فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها وفيها أصناف