ولما كانت هذه الآية نازلة قبل الهجرة فتعيين الحق يجري على ما هو متعارف بين القبائل ، وهو ما سيذكر في قوله تعالى عقب هذا : ﴿ ومن قتل مظلوما ﴾ الآية . |
وحين كان المسلمون وقت نزول هذه الآية مختلطين في مكة بالمشركين ولم يكن المشركون أهلا للثقة بهم في الطاعة للشرائع العادلة ، وكان قد يعرض أن يعتدي أحد المشركين على أحد المسلمين بالقتل ظلما أمر الله المسلمين بأن المظلوم لا يظلم ، فقال : ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ أي قد جعل لولي المقتول تصرفا في القاتل بالقود أو الدية . |
والسلطان : مصدر من السلطة كالغفران ، والمراد به ما استقر في عوائدهم من حكم القود . |
وكونه حقا لولي القتيل يأخذ به أو يعفو أو يأخذ الدية ألهمهم الله إليه لئلا ينزوا أولياء القتيل على القاتل أو ذويه ليقتلوا منهم من لم تجن يداه قتلا . وهكذا تستمر الترات بين أخذ ورد ، فقد كان ذلك من عوائدهم أيضا . |
فالمراد بالجعل ما أرشد الله إليه أهل الجاهلية من عادة القود . |
والقود من جملة المستثنى بقوله : ﴿ إلا بالحق ﴾ ، لأن القود من القاتل الظالم هو قتل للنفس بالحق . وهذه حالة خصها الله بالذكر لكثرة وقوع العدوان في بقية أيام الجاهلية ، فأمر الله المسلمين بقبول القود . وهذا مبدأ صلاح عظيم في المجتمع الإسلامي ، وهو حمل أهله على اتباع الحق والعدل حتى لا يكون الفساد من طرفين فيتفاقم أمره ، وتلك عادة جاهلية . قال الشميذر الحارثي : |
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلة |
فنقبل ضيما أو نحكم قاضيا |
ولكن حكم السيف فينا مسلط |
فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا |