كانوا قد سروا بنزول القرآن مصدقا للتوراة ، وكانوا يحسبون دعوة النبي مقصورة على العرب فكان اليهود يستظهرون بالقرآن على المشركين ، قال تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ( سورة البقرة : 89 ) . وكان النصارى يستظهرون به على اليهود ؛ وفريق لم يثبت لهم الفرح بالقرآن وهم معظم اليهود والنصارى البعداء عن مكة وما كفر الفريقان به إلا حين علموا أن دعوة الإسلام عامة . |
وبهذا التفسير تظهر بلاغة التعبير عنهم بيفرحون والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الاحزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب } دون ﴿ يؤمنون ﴾ . وإنما سلكنا هذا الوجه بناء على أن هذه السورة مكية كان نزولها قبل أن يسلم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وبعض نصارى نجران وبعض نصارى اليمن ، فإن كانت السورة مدنية أو كان هذا من المدني فلا إشكال . فالمراد بالذين آتياناهم الكتاب الذين أوتوه إيتاء كاملا ، وهو المجرد عن العصبية لما كانوا عليه وعن الحسد ، فهو كقوله تعالى : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ( سورة البقرة : 121 ) . |
فالأظهر أن المراد بالأحزاب أحزاب الذين أوتوا الكتاب ، كما جاء في قوله تعالى : فاختلف الأحزاب من بينهم في سورة مريم ( 37 ) ، أي ومن أحزابهم من ينكر بعض القرآن ، فاللام عوض عن المضاف إليه . ولعل هؤلاء هم خبثاؤهم ودهاتهم الذين توسموا أن القرآن يبطل شرائعهم فأنكروا بعضه ، وهو ما فيه من الإيماء إلى ذلك من إبطال أصول عقائدهم مثل عبودية عيسى عليه السلام بالنسبة للنصارى ، ونبوءته بالنسبة لليهود . |
وفي التعبير عنهم بالأحزاب إيماء إلى أن هؤلاء هم المتحزبون المتصلبون لقومهم ولما كانوا عليه . وهكذا كانت حالة اضطراب أهل الكتاب عندما دمغتهم بعثة النبي وأخذ أمر الإسلام يفشو . |