تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمها والطواويس ، فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو . وهذه أشبه بأن تعد في أسباب الكمال ولكنها مكملات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين ، وبدون ذلك تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطاع الطريق والشطار ، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين . |

وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل ، فهما السبب المطرد لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم ، ولهما تكون القوى المنفذة خادمة كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدين ، على أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلا إذا كان محفوفا بالإرشاد الإلهي المعصوم ، وهو مقام النبوءة والرسالة . |

فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لما قصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا الأسباب من غير مكانها نظروا نوحا عليه السلام وأتباعه فلم يروه من جنس غير البشر ، وتأملوه وأتباعه فلم يروا في أجسامهم ما يميزهم عن الناس وربما كان في عموم الأمة من هم أجمل وجوها أو أطول أجساما . |

من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا : ﴿ ما نراك إلا بشرا مثلنا ﴾ فأسندوا الاستدلال إلى الرؤية . والرؤية هنا رؤية العين لأنهم جعلوا استدلالهم ضروريا من المحسوس من أحوال الأجسام ، أي ما نراك غير إنسان ، وهو مماثل للناس لا يزيد عليهم جوارح أو قوائم زائدة . |

والبشر محركة : الإنسان ذكرا أو أنثى ، واحدا كان أو جمعا . قال الراغب : ( عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور بشرته وهي جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر ) أي والريش . والبشر مرادف

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٢ · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٢ · ص ٤٧