تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما خلقهم على جبلة قاضية باختلاف الآراء والنزعات وكان مريدا لمقتضى تلك الجبلة وعالما به كما بيناه آنفا كان الاختلاف علة غائية لخلقهم ، والعلة الغائية لا يلزمها القصر عليها بل يكفي أنها غاية الفعل ، وقد تكون معها غايات كثيرة أخرى فلا ينافي ما هنا قوله : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ ( الذاريات : 56 ) لأن القصر هنالك إضافي ، أي إلا بحالة أن يعبدوني لا يشركوا ، والقصر الإضافي لا ينافي وجود أحوال أخرى غير ما قصد الرد عليه بالقصر كما هو بين لمن مارس أساليب البلاغة العربية . |

وتقديم المعمول على عامله في قوله : ﴿ ولذلك خلقهم ﴾ ليس للقصر بل للاهتمام بهذه العلة ، وبهذا يندفع ما يوجب الحيرة في التفسير في الجمع بين الآيتين . |

ثم أعقب ذلك بقوله : ﴿ وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ لأن قوله : ﴿ إلا من رحم ربك ﴾ يؤذن بأن المستثنى منه قوم مختلفون اختلافا لا رحمة لهم فيه ، فهو اختلاف مضاد للرحمة ، وضد النعمة النقمة فهو اختلاف أوجب الانتقام . |

وتمام كلمة الرب مجاز في الصدق والتحقق ، كما تقدم عند قوله تعالى : { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا في سورة الأنعام ( 115 ) ، فالمختلفون هم نصيب جهنم . |

والكلمة هنا بمعنى الكلام . فكلمة الله : تقديره وإرادته . أطلق عليها كلمة } مجازا لأنها سبب في صدور كلمة ( كن ) وهي أمر التكوين . وتقدم تفصيله في قوله تعالى : ﴿ وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا ﴾ في سورة الأنعام ( 115 ) . |

وجملة ﴿ لأملأن جهنم ﴾ تفسير للكلمة بمعنى الكلام . وذلك تعبير عن الإرادة المعبر عنها بالكلام النفسي . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٢ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٢ · ص ١٩٠