تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إظهار بطلانه فذلك بمنزلة تقرير شبهة الملحد ممن يتصدى لإبطالها بعد تقريرها مثل طريقة عضد الدين الأيجي في كتابه ( المواقف ) . |

وقد طوي ذكر صورة سحرهم في هذه الآية ، لأن الغرض من العبرة في هذه الآية وصف إصرار فرعون وملئه على الإعراض عن الدعوة ، وما لقيه المستضعفون الذين آمنوا بموسى عليه السلام من اعتلاء فرعون عليهم وكيف نصر الله رسوله والمستضعفين معه ، وكيف كانت لهم العاقبة الحسنى ولمن كفروا عاقبة السوء ، ليكونوا مثلا للمكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يعرج بالذكر إلا على مقالة موسى عليه السلام حين رأى سحرهم الدالة على يقينه بربه ووعده ، وبأن العاقبة للحق . وذلك أهم في هذا المقام من ذكر اندحاض سحرهم تجاه معجزة موسى عليه السلام ، ولأجل هذا لم يذكر مفعول ﴿ ألقوا ﴾ لتنزيل فعل ﴿ ألقوا ﴾ منزلة اللازم ، لعدم تعلق الغرض ببيان مفعوله . |

ومعنى ﴿ جئتم به ﴾ أظهرتموه لنا ، فالمجيء قد استعمل مجازا في الإظهار ، لأن الذي يجيء بالشيء يظهره في المكان الذي جاءه ، فالملازمة عرفية . وليس المراد أنهم جاؤوا من بقاع أخرى مصاحبين للسحر ، لأنه وإن كان كثير من السحرة أو كلهم قد أقبلوا من مدن عديدة ، غير أن ذلك التقدير لا يطرد في كل ما يعبر فيه بنحو : جاء بكذا ، فإنه وإن استقام في نحو ﴿ وجاءوا على قميصه بدم كذب ﴾ ( يوسف : 18 ) لا يستقيم في نحو ﴿ إن الذين جاءوا بالإفك ﴾ ( النور : 11 ) . |

ونظم الكلام على هذا الأسلوب بجعلل ﴿ ما جئتم ﴾ مسندا إليه دون أن يجعل مفعولا لفعلل ﴿ سيبطله ﴾ ، وبجعله اسما مبهما ، ثم تفسيره بجملة ﴿ جئتم به ﴾ ثم بيانه بعطف البيان لقصد الاهتمام بذكره والتشويق إلى معرفة الخبر ، وهو جملة ﴿ إن الله سيبطله ﴾ ثم مجيء ضمير السحر مفعولا لفعل ﴿ سيبطله ﴾ ، كل ذلك إطناب وتخريج على خلاف مقتضى الظاهر ، ليتقرر الإخبار بثبوت حقيقة في السحر له ويتمكن في أذهان السامعين فضل تمكن ويقع الرعب في نفوسهم . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١١ · الصفحة ٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١١ · ص ٢٥٥