الذين امتازوا بتأييد الدين . فالمهاجرون امتازوا بالسبق إلى الإسلام وتكبدوا مفارقة الوطن . والأنصار امتازوا بإيوائهم ، وبمجموع العملين حصل إظهار البراءة من الشرك وأهله ، وقد اشترك الفريقان في أنهم آمنوا وأنهم جاهدوا ، واختص المهاجرون بأنهم هاجروا واختص الأنصار بأنهم آووا ونصروا ، وكان فضل المهاجرين أقوى ؛ لأنهم فضلوا الإسلام على وطنهم وأهليهم ، وبادر إليه أكثرهم ، فكانوا قدوة ومثالا صالحا للناس . |
والمهاجرة هجر البلاد ، أي الخروج منها وتركها ، قال عبدة بن الطبيب : |
إن التي ضربت بيتا مهاجرة |
بكوفة الجند غالت ودها غول |
وأصل الهجرة الترك واشتق منه صيغة المفاعلة لخصوص ترك الدار والقوم ، لأن الغالب عندهم كان أنهم يتركون قومهم ، ويتركهم قومهم إذ لا يفارق أحد قومه إلا لسوء معاشرة تنشأ بينه وبينهم . |
وقد كانت الهجرة من أشهر أحوال المخالفين لقومهم في الدين ، فقد هاجر إبراهيم عليه السلام ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ ( الصافات : 99 ) . وهاجر لوط عليه السلام : ﴿ وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ﴾ ( العنكبوت : 26 ) ، وهاجر موسى عليه السلام بقومه ، وهاجر محمد صلى الله عليه وسلم وهاجر المسلمون بإذنه إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة يثرب ، ولما استقر المسلمون من أهل مكة بالمدينة غلب عليهم وصف المهاجرين وأصبحت الهجرة صفة مدح في الدين ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التفضيل : ( لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ) وقال للأعرابي : ( ويحك إن شأنها شديد وقال لا هجرة بعد الفتح ) . |
والإيواء تقدم عند قوله تعالى : { فآواكم وأيدكم بنصره في هذه السورة ( 26 ) . |
والنصر تقدم عند قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا إلى قوله ولا هم ينصرون في سورة البقرة ( 123 ) . |
والمراد بالنصر في قوله : ونصروا } النصر الحاصل قبل الجهاد وهو نصر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنهم يحمونهم بما يحمون به أهلهم ، ولذلك غلب على الأوس والخزرج وصف الأنصار . |