ثم إن المشركين لما يرزوا لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبهتوا ، وكغان ذلك بعد المناجزة ، فكان ملقيا الرعب في قلوبهم ، وذلك ما حكاه في سورة آل عمران ( 13 ) قوله : { ترونهم مثليهم رأي العين . |
وخولف الأسلوب في حكاية إراءة المشركين ، وحكاية إراءة المسلمين ، لأن المشركين كانوا عددا كثيرا فناسب أن يحكي تقليلهم بإراءتهم قليلا ، المؤذنة بأنهم ليسوا بالقليل . وأما المسلمون فكانوا عددا قليلا بالنسبة لعدوهم ، فكان المناسب لتقليلهم : أن يعبر عنه بأنه تقليل المؤذن بأنه زيادة في قلتهم . |
وجملة : وإلى الله ترجع الأمور } تذييل معطوف على ما قبله عطفا اعتراضيا ، وهو اعتراض في آخر الكلام ، وهذا العطف يسمى : عطفا اعتراضيا ، لأنه عطف صوري ليست فيه مشاركة في الحكم ، وتسمى الواو اعتراضية . والتعريف في قوله : ﴿ الأمور ﴾ للاستغراق ، أي جميع الأشياء . |
والرجوع هنا مستعمل في الأول وانتهاء الشيء ، والمراد رجوع أسبابها ، أي إيجادها ، فإن الأسباب قد تلوح جارية بتصرف العباد وتأثير الحوادث ، ولكن الأسباب العالية ، وهي الأسباب التي تتصاعد إليها الأسباب المعتادة ، لا يتصرف فيها إلا الله وهو مؤثرها وموجدها . على أن جميع الأسباب ، عاليها وقريبها ، متأثر بما أودع الله فيها من القوى والنواميس والطبائع ، فرجوع الجميع إليه ، ولكنه رجوع متفاوت على حسب جريه على النظام المعتاد ، وعدم جريه ، فإيجاد الأشياء قد يلوح حصوله بفعل بعض الحوادث والعباد ، وهو عند التأمل الحق راجع إلى إيجاد الله تعالى خالق كل صانع . والذوات وأحوالها كلها من الأمور ، ومآلها كله رجوع ، فهذا ليس رجوع ذوات ولكنه رجوع تصرف ، كالذي في قوله : ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ ( البقرة : 156 ) . |
والمعنى : ولا عجب في ما كونه الله من رؤية الجيشين على خلاف حالهما في نفس الأمر ، فإن الإراءة المعتادة ترجع إلى ما وضعه الله من الأسباب المعتادة ، والإراءة غير المعتادة راجعة إلى أسباب يضعها الله عند إرادته . |