تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عطية : ( لا اختلاف بين العلماء في أن هذه الآية نزلت عتابا على تخلف من تخلف عن غزوة تبوك ، إذ تخلف عنها قبائل ورجال من المؤمنين والمنافقون ) فالكلام متصل بقوله : ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ ( التوبة : 36 ) وبقوله ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ ( التوبة : 29 35 ) كما أشرنا إليه في تفسير تلك الآيات . |

وهو خطاب للذين حصل منهم التثاقل ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين إلى تلك الغزوة ، وكان ذلك في وقت حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، حين نضجت الثمار ، وطابت الظلال ، وكان المسلمون يومئذ في شدة حاجة إلى الظهر والعدة . فلذلك سميت غزوة العسرة كما سيأتي في هذه السورة ، فجلى رسول الله للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، وأخبرهم بوجهه الذي يريد ، وكان قبل ذلك لا يريد غزوة إلا ورى بما يوهم مكانا غير المكان المقصود ، فحصل لبعض المسلمين تثاقل ، ومن بعضهم تخلف ، فوجه الله إليهم هذا الملام المعقب بالوعيد . |

فإن نحن جرينا على أن نزول السورة كان دفعة واحدة ، وأنه بعد غزوة تبوك ، كما هو الأرجح ، وهو قول جمهور المفسرين ، كان محمل هذه الآية أنها عتاب على ما مضى وكانت ﴿ إذا ﴾ مستعملة ظرفا للماضي ، على خلاف غالب استعمالها ، كقوله تعالى : ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ﴾ ( الجمعة : 11 ) وقوله : ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ﴾ ( التوبة : 92 ) الآية ، فإن قوله : ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ﴾ ( النساء : 75 ) صالح لإفادة ذلك ، وتحذير من العودة إليه ، لأن قوله : ﴿ إلا تنفروا ﴾ و ﴿ إلا تنصروه ﴾ و ﴿ انفروا خفافا ﴾ مراد به ما يستقبل حين يدعون إلى غزوة أخرى ، وسنبين ذلك مفصلا في مواضعه من الآيات . |

وإن جرينا على ما عزاه ابن عطية إلى النقاش : أن قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ هي أول آية نزلت من سورة براءة ، كانت الآية عتابا على تكاسلل وتثاقلل ظهرا على بعض الناس ، فكانت ﴿ إذا ﴾ ظرفا للمستقبل ، على ما هو الغالب فيها ، وكان قوله : ﴿ إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ﴾ ( التوبة : 39 ) تحذيرا من ترك الخروج إلى غزوة تبوك ، وهذا كله بعيد مما ثبت في ( السيرة ) وما ترجح في نزول هذه السورة . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٠ · ص ١٩٦