سرت من النفس إلى صاحبها من شدة تمكنها بنفسه حتى صارت صفة لجثمانه ، ثم انتصب الفاعل على التمييز تفسيرا لذلك الإبهام في الإسناد المجازي ، ولا يعكر عليه مجيء التمييز معرفة بالإضافة لأن تنكير التمييز أغلبي .
والمقصود من قوله : ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ﴾ تسفيه المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام بعد أن بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام مقام على أساس الحنيفية وهي معروفة عندهم بأنها ملة إبراهيم قال تعالى : ﴿ ثم أوحينا إليك أنن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ ( النحل : 123 ) وقال في الآية السابقة ﴿ ربنا واجعلنا مسلمينن لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ ( البقرة : 128 ) وقال : ﴿ وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ﴾ ( البقرة : 132 ) إلى قوله : ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ ( البقرة : 132 ) .
وجملة ﴿ ولقد اصطفيناه ﴾ معطوفة على الجمل التي قبلها الدالة على رفعة درجة إبراهيم عند الله تعالى إذ جعله للناس إماما وضمن له النبوءة في ذريته وأمره ببناء مسجد لتوحيده واستجاب له دعواته .
وقد دلت تلك الجمل على اختيار الله إياه فلا جرم أعقبت بعطف هذه الجملة عليها لأنها جامعة لفذلكتها وزائدة بذكر أنه سيكون في الآخرة من الصالحين . واللام جواب قسم محذوف وفي ذلك اهتمام بتقرير اصطفائه وصلاحه في الآخرة .
ولأجل الاهتمام بهذا الخبر الأخير أكد بقوله : ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فقوله : ﴿ وإنه في الآخرة إلى آخره اعتراض بين جملة اصطفيناه ﴾ وبين الظرف وهو قوله : ﴿ إذ قال له ربه أسلم ﴾ ، إذ هو ظرف لاصطفيناه وما عطف عليه ، قصد من هذه الظرفية التخلص إلى منقبة أخرى ، لأن ذلك الوقت هو دليل اصطفائه حيث خاطبه الله بوحي وأمره بما تضمنه قوله ﴿ أسلم ﴾ من معانن جماعها التوحيد والبراءة من الحول والقوة وإخلاص الطاعة ، وهو أيضا وقت ظهور أن الله أراد إصلاح حاله في الآخرة إذ كل ميسر لما خلق له .
وقد فهم أن مفعول ﴿ أسلم ﴾ ومتعلقه محذوفان يعلمان من المقام أي أسلم نفسك لي كما دل عليه الجواب بقوله : ﴿ أسلمت لرب العالمين وشاع الاستغناء عن مفعول أسلم فنزل الفعل منزلة اللازم يقال أسلم أي دان بالإسلام كما أنبأ به قوله تعالى : ولكن كان حنيفا مسلما ﴾ ( آل عمران : 67 ) . كما سيأتي قريبا .