تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والكلمات الكلام الذي أوحى الله به إلى إبراهيم إذ الكلمة لفظ يدل على معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى : ﴿ كلا إنها كلمة هو قائلها ﴾ ( المؤمنون : 100 ) ، وأجملها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لتكاليف فأتى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء ، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة ، ولعل جمع الكلمات جمع السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة ، فلعل منها الأمر بذبح ولده ، وأمره بالاختتان ، وبالمهاجرة بهاجر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أمره بذبح ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا ، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى : ﴿ إن هذا لهو البلاء المبين ﴾ ( الصافات : 106 ) .

وقوله : ﴿ فأتمهن ﴾ جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك من شدة العزم . والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء المصنوع .

وتعدية فعل أتم إلى ضمير ( كلمات ) مجاز عقلي ، وهو من تعليق الفعل بحاوي المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى : ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ ( النجم : 37 ) ، وقوله : ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ ( الصافات : 105 ) ، فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم أتى بالبعض الآخر ، فدل قوله : ﴿ فأتمهن ﴾ مع إيجازه على الامتثال وإتقانه والفور فيه . وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على أنه ابتلى فامتثل كقولك دعوت فلانا فأجاب .

وجملة ﴿ قال إني جاعلك للناس إماما ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عما اقتضاه قوله : ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ من تعظيم الخبر والتنويه به ، لما يقتضيه ظرف ( إذ ) من الإشارة إلى قصة من الأخبار التاريخية العظيمة فيترقب السامع ما يترتب على اقتصاصها ، ويجوز أن يكون الفصل على طريقة المقاولة لأن هذا القول مجاوبة لما دل عليه قوله : ﴿ ابتلى ﴾ .

والإمام مشتق من الأم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فعال من صيغ الآلة سماعا كالعماد والنقاب والإزار والرداء ، فأصله ما يحصل به الأم أي القصد ولما كان الدال على الطريق يقتدي به الساير دل الإمام على القدوة والهادي .

والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل أفراد هذا النوع . وإنما عدل عن التعبير ﴿ برسولا ﴾ إلى ﴿ إماما ﴾ ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٧٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٧٠٣