تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اختصوا به ، وأخذوا مع المشركين حظهم من ذلك فيما اشتركوا فيه تهيأ المقام للتوجه إلى مشركي العرب لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملا فيما اختصوا به ، فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل ، هي الاتحاد في المقصد ، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم والتخويف ، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية . والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعا له ، لأن العرب أشد اختصاصا بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه ، ومنتمين قديما للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين .

فحقيق أن نجعل قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ عطفا على قوله تعالى : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ( البقرة : 30 ) كما دل عليه افتتاحه بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله : ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من كفر المشركين بالخالق في قوله : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ﴾ ( البقرة : 28 ) ، عقبت تلك التذكرة بإنذار من كيفر بآيات اللهمن ذرية آدم بقوله : ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ ( البقرة : 38 ) الآية ، ثم خص من بين ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم ، لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية آدم . فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب ، ويضم الفريق الآخر معهم في قرن ، ولذلك كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت القبلة وسط ذلك ، ثم طوي بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله : ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ ( البقرة : 133 ) ليفضي إلى قوله : ﴿ وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ﴾ ( البقرة : 135 ) فيرجع إلى تفضيل الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك اليهود والنصارى . وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم وإبراهيم ، فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم . فتعين أن تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات .

ومن الناس من زعم أن قوله : ﴿ وإذ ابتلى ﴾ عطف على قوله ﴿ نعمتي ﴾ ( البقرة : 122 ) أي اذكروا نعمتي وابتلائي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٧٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٧٠٠