تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأسانيد أقوى وهي متواترة على الجملة كما سنذكره ، وما كان ينبغي إطلاق وصف قراءة النبي عليها لأنه يوهم من ليسوا من أهل الفهم الصحيح أن غيرها لم يقرأ به النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا يرجع إلى تبجح أصحاب الرواية بمروياتهم .

| وأما الحالة الثانية : فهي اختلاف القراء في حروف الكلمات مثل ) مالك يوم الدين ( و ) ملك يوم الدين ( و ) ننشرها ( و ) ننشزها ( و ) ظنوا أنهم قد كذبوا ( بتشديد الذال أو ) قد كذبوا ( بتخفيفه ، وكذلك اختلاف الحركات الذي يختلف معه معنى الفعل كقوله ) ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ( قرأ نافع بضم الصاد وقرأ حمزة بكسر الصاد ، فالأولى بمعنى يصدون غيرهم عن الإيمان ، والثانية بمعنى صدودهم في أنفسهم وكلا المعنيين حاصل منهم ، وهي من هذه الجهة لها مزيد تعلق بالتفسير لأن ثبوت أحد اللفظين في قراءة قد يبين المراد من نظيره في القراءة الأخرى ، أو يثير معنى غيره ، ولأن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة نحو ) حتى يطهرن ( بفتح الطاء المشددة والهاء المشددة ، وبسكون الطاء وضم الهاء مخففة ، ونحو ) لامستم النساء ( و ) لمستم النساء ( ، وقراءة ) وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثا ( مع قراءة ) الذين هم عباد الرحمن ( والظن أن الوحي نزل بالوجهين وأكثر ، تكثيرا للمعاني إذا جزمنا بأن جميع الوجوه في القراءات المشهورة هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، على أنه لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادا لله تعالى ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني ، فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئا عن آيتين فأكثر ، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب ، ونظير التورية والتوجيه في البديع ، ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني ، وهو من زيادة ملاءمة بلاغة القرآن ، ولذلك كان اختلاف القراء في اللفظ الواحد من القرآن قد يكون معه اختلاف المعنى ؛ ولم يكن حمل أحد القراءتين على الأخرى متعينا ولا مرجحا ، وإن كان قد يؤخذ من كلام أبي علي الفارسي في كتاب الحجة أنه يختار حمل معنى إحدى القراءتين على معنى الأخرى ، ومثال هذا قوله في قراءة الجمهور قوله تعالى ) فإن الله هو الغني الحميد ( في سورة الحديد ، وقراءة نافع وابن عامر ) فإن الله الغني الحميد ( بإسقاط هو أن من أثبت هو يحسن أن يعتبره ضمير فصل لا مبتدأ ، لأنه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٥٥