تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل هذا على رئيس مملكة فيفنى به فريقا من رعاياه ، اللهم إلا أن يكون الكهنة قد أغروا فرعون باليهود قصدا لتخليص المملكة من الغرباء أو تفرسوا من بني إسرائيل سوء النوايا فابتكروا ذلك الإنباء الكهنوتي لإقناع فرعون ، بوجوب الحذر من الإسرائيليين ولعل ذبح الأبناء كان من فعل المصريين استخفافا باليهود ، فكانوا يقتلون اليهودي في الخصام القليل كما أنبأت بذلك آية ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾ ( القصص : 15 ) والحاصل أن التاريخ يفيد على الإجمال أن عداوة عظيمة نشأت بين القبط واليهود آلت إلى أن استأصل القبط الإسرائيليين . ولقد أبدع القرآن في إجمالها إذ كانت تفاصيل إجمالها كثيرة لا يتعلق غرض التذكير ببيانها .

وجملة : ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ حال من ﴿ آل فرعون ﴾ يحصل بها بيان ما وقع الإنجاء منه وهو العذاب الشديد الذي كان الإسرائيليون يلاقونه من معاملة القبط لهم .

ومعنى ﴿ يسومونكم ﴾ يعاملونكم معاملة المحقوق بما عومل به يقال سامه خسفا إذا أذله واحتقره فاستعمل سام في معنى أنال وأعطى ولذلك يعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر . وحقيقة سام عرض السوم أي الثمن .

وسوء العذاب أشده وأفظعه وهو عذاب التسخير والإرهاق وتسليط العقاب الشديد بتذبيح الأبناء وسبي النساء والمعنى يذبحون أبناء آبائكم ويستحيون نساء قومكم الأولين .

والمراد من الأبناء قيل أطفال اليهود وقيل : أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار ، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال : إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل ويسبون الأمهات استعبادا لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج . وإبقاء الرجال في مثل هاته الحالة أشد من قتلهم . أو لعل تقصيرا ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن فكان المستعبدون لهم إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل .

والاستحياء استفعال يدل على الطلب للحياة أي يبقونهن أحياء أو يطلبون حياتهن . ووجه ذكره هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب أن هذا الاستحياء للإناث كان

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٤٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٤٩٢