تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يذكر الآمر حاجة نفسه إليه إذا قدر أنه في غفلة عن نفسه ، وتلاوة الكتاب أي التوراة يمرون فيها على الأوامر والنواهي من شأنه أن تذكرهم مخالفة حالهم لما يتلونه .

وقوله : ﴿ أفلا تعقلون ﴾ استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهاما مستعملا في الإنكار والتوبيخ نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأنكر عليهم ذلك ، ووجه المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه وإهمال التفكر في صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه ، قارب أن يكون منفيا عنه التعقل .

وفعل ﴿ تعقلون ﴾ منزل منزلة اللازم أو هو لازم . وفي هذا نداء على كمال غفلتهم واضطراب حالهم . وكون هذا أمرا قبيحا فظيعا من أحوال البشر مما لا يشك فيه عاقل .

| 2 ( 45 ، 46 ) ﴿ واستعينوا بالصبر والصلواة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ . ) 2

خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات ، له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء ، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في الخطو إلى هذا الطريق القويم ، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح .

فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق . وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكد الأمر بها الذي في قوله : ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ ( البقرة : 43 ) وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب .

ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله : ﴿ واستعينوا ﴾ إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر ، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله : ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله : ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ الآية اللهم إلا أن

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٤٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٤٧٧