تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضا موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب .

| 2 ( 28 ) كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } . ) 2

ثني عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفا : ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ ( البقرة : 21 ) ، بعد أن عقب بأفانين من الجمل المعترضة من قوله : ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري ﴾ ( البقرة : 25 ) إلى قوله : ﴿ الخاسرون ﴾ ( البقرة : 27 ) .

وليس في قوله : ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ تناسب مع قوله : ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ﴾ ( البقرة : 26 ) وما بعده مما حكى عن الذين كفروا في قولهم : ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾ ( البقرة : 26 ) حتى يكون الأنتقال إلى الخطاب في قوله : ﴿ تكفرون ﴾ التفاتا ، فالمناسبة بين موقع هاته الآية بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض ، بعد استيفاء ما تخلل واعترض .

ومن بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات أن كانت العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى في قوله : ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ ( البقرة : 21 ) الخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر به تعالى في قوله هنا : ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ فقال فيما تقدم : ﴿ الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ ( البقرة : 21 ) ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ﴾ ( البقرة : 22 ) الآية وقال هنا : ﴿ وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ﴾ ( البقرة : 29 ) وكان ذلك مبدأ التخلص إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره .

فالخطاب في قوله : ﴿ تكفرون ﴾ متعين رجوعه إلى ( الناس ) وهم المشركون لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني .

و ( كيف ) اسم لا يعرف اشتقاقه يدل على حالة خاصة وهي التي يقال لها الكيفية نسبة إلى

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ٣٧٣