وهذا كمن قال في قوله تعالى ) من ذا الذي يشفع ( من ذل ذي إشارة للنفس يصير من المقربين للشفعاء ، فهذا يأخذ صدى موقع الكلام في السمع ويتأوله على ما شغل به قلبه . ورأيت الشيخ محي الدين يسمي هذا النوع سماعا ولقد أبدع . الثالث : عبر ومواعظ وشأن أهل النفوس اليقظى أن ينتفعوا من كل شيء ويأخذوا الحكمة حيث وجدوها فما ظنك بهم إذا قرأوا القرآن وتدبروه فاتعظوا بمواعظه فإذا أخذوا من قوله تعالى ) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا ( اقتبسوا أن القلب الذي لم يمتثل رسول المعارف العليا تكون عاقبته وبالا . ومن حكاياتهم في غير باب التفسير أن بعضهم مر برجل يقول لآخر : هذا العود لا ثمرة فيه فلم يعد صالحا إلا للنار ، فجعل يبكي ويقول : إذن فالقلب غير المثمر لا يصلح إلا للنار .
| فنسبة الإشارة إلى لفظ القرآن مجازية لأنها إنما تشير لمن استعدت عقولهم وتدبرهم في حال من الأحوال الثلاثة ولا ينتفع بها غير أولئك ، فلما كانت آيات القرآن قد أنارت تدبرهم وأثارت اعتبارهم نسبوا تلك الإشارة للآية . فليست تلك الإشارة هي حق الدلالة اللفظية والاستعمالية حتى تكون من لوازم اللفظ وتوابعه كما قد تبين . وكل إشارة خرجت عن حد هذه الثلاثة الأحوال إلى ما عداها فهي تقترب إلى قول الباطنية رويدا رويدا إلى أن تبلغ عين مقالاتهم وقد بصرناكم بالحد الفارق بينهما ، فإذا رأيتم اختلاطه فحققوا مناطه ، وفي أيديكم فيصل الحق فدونكم اختراطه . | وليس من الإشارة ما يعرف في الأصول بدلالة الإشارة ، وفحوى الخطاب ، وفهم الاستغراق من لام التعريف في المقام الخطابي ، ودلالة التضمن والالتزام كما أخذ العلماء من تنبيهات القرآن استدلالا لمشروعية أشياء ، كاستدلالهم على مشروعية الوكالة من قوله تعالى ) فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ( ومشروعية الضمان من قوله ) وأنا به زعيم ( . ومشروعية القياس من قوله ) لتحكم بين الناس بما أراك الله ( ولا بما هو بالمعنى المجازي نحو ) يا جبال أوبي معه ( و ) فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( ولا ما هو من تنزيل الحال منزلة المقال نحو ) وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ( لأن جميع هذا مما قامت فيه الدلالة العرفية مقام الوضعية واتحدت في إدراكه أفهام أهل العربية فكان من المدلولات التبعية .