وقوله : ﴿ بما كانوا يكذبون ﴾ الباء للسببية . وقرأ الجمهور ( يكذبون ) بضم أوله وتشديد الذال . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف بفتح أوله وتخفيف الذال أي بسبب تكذيبهم الرسول وإخباره بأنه مرسل من الله وأن القرآن وحي الله إلى الرسول ، فمادة التفعيل للنسبة إلى الكذب مثل التعديل والتجريح ، وأما قراءة التخفيف فعلى كذبهم الخاص في قولهم : ﴿ آمنا بالله ﴾ ( البقرة : 8 ) وعلى كذبهم العام في قولهم : ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ ( البقرة : 11 ) فالمقصود كذبهم في إظهار الإيمان وفي جعل أنفسهم المصلحين دون المؤمنين .
والكذب ضد الصدق ، وسيأتي عند قوله تعالى : { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة المائدة ( 103 ) . و ( ما ) المجرورة بالباء مصدرية ، والمصدر هو المنسبك من كان أي الكون .
$ 2 ( 11 ) وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالو &
1764 ا إنما نحن مصلحون } . ) 2 $
يظهر لي أن جملة ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ عطف على جملة ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ ( البقرة : 10 ) ؛ لأن قوله : ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ إخبار عن بعض عجيب أحوالهم ، ومن تلك الأحوال أنهم قالوا ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ في حين أنهم مفسدون فيكون معطوفا على أقرب الجمل الملظة لأحوالهم وإن كان ذلك آيلا في المعنى إلى كونه معطوفا على الصلة في قوله : ﴿ من يقول آمنا بالله ﴾ ( البقرة : 8 ) .
و ( إذا ) هنا لمجرد الظرفية وليست متضمنة معنى الشرط كما أنها هنا للماضي وليست للمستقبل وذلك كثير فيها كقوله تعالى : ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ﴾ ( آل عمران : 152 ) الآية . ومن نكت القرآن المغفول عنها تقييد هذا الفعل بالظرف فإن الذي يتبادر إلى الذهن أن محل المذمة هو أنهم يقولون ﴿ إنما نحن مصلحون ﴾ مع كونهم مفسدين ، ولكن عند التأمل يظهر أن هذا القول يكون قائلوه أجدر بالمذمة حين يقولونه في جواب من يقول لهم ﴿ لا تفسدوا في الأرض ﴾ فإن هذا الجواب الصادر من المفسدين لا ينشأ إلا عن مرض القلب وأفن الرأي ، لأن شأن الفساد أن لا يخفى ولئن خفي فالتصميم عليه واعتقاد أنه صلاح بعد الإيقاظ إليه والموعظة إفراط في الغباوة أو المكابرة وجهل فوق جهل . وعندي أن هذا هو المقتضى لتقديم الظرف على جملة ﴿ قالوا . . . ﴾ ، لأنه أهم إذ هو محل التعجيب من حالهم ، ونكت الإعجاز لا تتناهى .