وسفه أحلامهم ، وجهالتهم ، وأردف ذلك كله بشتم واستهزاء وتمثيل حالهم في أشنع الصور وهم أحرياء بذلك فإن الخطة التي تدربوا فيها تجمع مذام كثيرة إذ النفاق يجمع الكذب ، والجبن ، والمكيدة ، وأفن الرأي ، والبله ، وسوء السلوك ، والطمع ، وإضاعة العمر ، وزوال الثقة ، وعداوة الأصحاب ، واضمحلال الفضيلة .
أما الكذب فظاهر ، وأما الجبن فلأنه لولاه لما دعاه داع إلى مخالفة ما يبطن ، وأما المكيدة فإنه يحمل على اتقاء الاطلاع عليه بكل ما يمكن ، وأما أفن الرأي فلأن ذلك دليل على ضعف في العقل إذ لا داعي إلى ذلك ، وأما البله فللجهل بأن ذلك لا يطول الاغترار به ، وأما سوء السلوك فلأن طبع النفاق إخفاء الصفات المذمومة ، والصفات المذمومة ، إذا لم تظهر لا يمكن للمربي ولا للصديق ولا لعموم الناس تغييرها على صاحبها فتبقى كما هي وتزيد تمكنا بطول الزمان حتى تصير ملكة يتعذر زوالها ، وأما الطمع فلأن غالب أحوال النفاق يكون للرغبة في حصول النفع ، وأما إضاعة العمر فلأن العقل ينصرف إلى ترويج أحوال النفاق وما يلزم إجراؤه مع الناس ونصبب الحيل لإخفاء ذلك وفي ذلك ما يصرف الذهن عن الشغل بما يجدي ، وأما زوال الثقة فلأن الناس إن اطلعوا عليه ساء ظنهم فلا يثقون بشيء يقع منه ولو حقا ، وأما عداوة الأصحاب فكذلك لأنه إذا علم أن ذلك خلق لصاحبه خشي غدره فحذره فأدى ذلك إلى عداوته ، وأما اضمحلال الفضيلة فنتيجة ذلك كله .
وقد أشار قوله تعالى : ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ إلى الكذب ، وقوله : ﴿ يخادعون ﴾ ( البقرة : 9 ) إلى المكيدة والجبن ، وقوله : ﴿ ما يخادعون إلا أنفسهم ﴾ ( البقرة : 9 ) إلى أفن الرأي ، وقوله : ﴿ وما يشعرون ﴾ ( البقرة : 9 ) إلى البله ، وقوله : ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ ( البقرة : 10 ) إلى سوء السلوك ، وقوله : ﴿ فزادهم الله مرضا ﴾ ( البقرة : 10 ) إلى دوام ذلك وتزايده مع الزمان ، وقوله : ﴿ قالوا إنما نحن مصلحون ﴾ ( البقرة : 11 ) إلى إضاعة العمر في غير المقصود ، وقوله : ﴿ قالوا إنا معكم ﴾ ( البقرة : 14 ) مؤكدا بإن إلى قلة ثقة أصحابهم فيهم ، وقوله : ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ ( البقرة : 16 ) إلى أن أمرهم لم يحظ بالقبول عند أصحابهم ، وقوله : ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ ( البقرة : 18 ) إلى اضمحلال الفضيلة منهم وسيجيء تفصيل لهذا ، وجمع عند قوله تعالى : ﴿ في قلوبهم مرض ﴾ .
والناس اسم جمع إنسي بكسر الهمزة وياء النسب فهو عوض عن أناسي الذي هو الجمع القياسي لإنس وقد عوضوا عن أناسي أناس بضم الهمزة وطرح ياء النسب ، دل على هذا التعويض ظهور ذلك في قول عبيد بن الأبرص الأسدي يخاطب امرأ القيس :