﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ .
حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريبا . والريب الشك وأصل الريب القلق واضطراب النفس ، وريب الزمانن وريب المنون نوائب ذلك ، قال الله تعالى : ﴿ تتربص به ريب المنون ﴾ ( الطور : 30 ) ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا شككه أي بجعلل ما أوجب الشك في حاله فهو متعد ، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لحق وألحق ، وزلقه وأزلقه وقد قيل إن أراب أضعف من راب أراب بمعنى قربه من أن يشك قاله أبو زيد ، وعلى التفرقة بينهما قال بشار :
أخوك الذي إن ربته قال إنما
أربت وإن عاتبته لان جانبه
وفي الحديث : ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) أي دع الفعل الذي يقربك من الشك في التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك في فعله شك في أنه مباح .
ولم يختلف متواتر القراء في فتح ﴿ لا ريب ﴾ نفيا للجنس على سبيل التنصيص وهو أبلغه لأنه لو رفع لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كان الإشارة بقوله : ﴿ ذلك ﴾ إلى الحروف المجتمعة في ﴿ الم ﴾ على إرادة التعريض بالمتحدين وكان قوله : ﴿ الكتاب ﴾ خبرا لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله : ﴿ لا ريب ﴾ نفيا لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفا من حروف كلامهم فكيف عجزوا عن مثله ، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء ، فتكون جملة ﴿ لا ريب ﴾ منزلة منزلة التأكيد لمفاد الإشارة في قوله : ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله : ﴿ فيه ﴾ متعلقا بريب على أنه ظرف لغو فيكون الوقف على قوله : ﴿ فيه ، وهو مختار الجمهور على نحو قوله تعالى : وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ﴾ ( الشورى : 7 ) وقوله : ﴿ ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ﴾ ( آل عمران : 9 ) ويجوز أن يكون قوله : ﴿ فيه ﴾ ظرفا مستقرا خبرا لقوله بعده : ﴿ هدى للكتقين ﴾ ومعنى ( في ) هو الظرفية المجازية العرفية تشبيها لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا : ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ( فصلت : 26 ) استنزالا لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء من الهدى فاسمعوا إليه ولذلك نكر