وبراءة من صنيعهم فقد كانوا يستعينون بآلهتهم . ومن ذلك الاستقسام بالأزلام الموضوعة عند الآلهة والأصنام .
وضميرا ﴿ نعبد ونستعين ﴾ يعودان إلى تالي السورة ذاكرا معه جماعة المؤمنين . وفي العدول عن ضمير الواحد إلى الإتيان بضمير المتكلم المشارك الدلالة على أن هذه المحامد صادرة من جماعات ، ففيه إغاظة للمشركين إذ يعلمون أن المسلمين صاروا في عزة ومنعة ، ولأنه أبلغ في الثناء من أعبد وأستعين لئلا تخلو المناجاة عن ثناء أيضا بأن المحمود المعبود المستعان قد شهد له الجماعات وعرفوا فضله ، وقريب من هذا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني :
قعودا له غسان يرجون أوبة
وترك ورهط الأعجمين وكابل
إذ قصد من تعداد أصناف من الأمم الكناية عن عظمة النعمان وكثرة رعيته . فكأن الحامد لما انتقل من الحمد إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقتنص منها الثناء إلا انتهزها .
ووجهه تقديم قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ على قوله : ﴿ وإياك نستعين ﴾ أن العبادة تقرب للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة ، وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك ، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبودا للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل . وقد حصل من ذلك التقديم أيضا إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان .
وأعيد لفظ ﴿ إياك ﴾ في الاستعانة دون أن يعطف فعل ﴿ نستعين ﴾ على ﴿ نعبد ﴾ مع أنهما مقصودان جميعا كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين الحصرين فرقا ، فالحصر في ﴿ إياك نعبد ﴾ حقيقي والقصر في ﴿ إياك نستعين ادعائي فإن المسلم قد يستعين غير الله تعالى كيف وقد قال تعالى : وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ ( المائدة : 2 ) ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا بالله ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله تعالى .