تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن معاني القرآن إما علوم تقصد معرفتها وإما أحكام يقصد منها العمل بها ، فالعلوم كالتوحيد والصفات والنبوءات والمواعظ والأمثال والحكم والقصص ، والأحكام إما عمل الجوارح وهو العبادات والمعاملات ، وإما عمل القلوب أي العقول وهو تهذيب الأخلاق وآداب الشريعة ، وكلها تشتمل عليها معاني الفاتحة بدلالة المطابقة أو التضمن أو الالتزام ف ﴿ الحمد لله ﴾ يشمل سائر صفات الكمال التي استحق الله لأجلها حصر الحمد له تعالى بناء على ما تدل عليه جملة ﴿ الحمد لله ﴾ من اختصاص جنس الحمد به تعالى واستحقاقه لذلك الاختصاص كما سيأتي و ﴿ رب العالمين ﴾ يشمل سائر صفات الأفعال والتكوين عند من أثبتها ، و ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ يشمل أصول التشريع الراجعة للرحمة بالمكلفين و ﴿ ملك يوم الدين ﴾ يشمل أحوال القيامة ، و ﴿ إياك نعبد ﴾ يجمع معنى الديانة والشريعة ، و ﴿ إياك نستعين ﴾ يجمع معنى الإخلاص لله في الأعمال .

قال عز الدين بن عبد السلام في كتابه ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) : الطريقة إلى الله لها ظاهر ( أي عمل ظاهر أي بدني ) وباطن ( أي عمل قلبي ) فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة ، والمراد من الشريعة والحقيقة إقامة العبودية على الوجه المراد من المكلف . ويجمع الشريعة والحقيقة كلمتان هما قوله : ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ فإياك نعبد شريعة وإياك نستعين حقيقة ، ا ه .

و ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يشمل الأحوال الإنسانية وأحكامها من عبادات ومعاملات وآداب ، و ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ يشير إلى أحوال الأمم والأفراد الماضية الفاضلة ، وقوله : ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ يشمل سائر قصص الأمم الضالة ويشير إلى تفاصيل ضلالالتهم المحكية عنهم في القرآن ، فلا جرم يحصل من معاني الفاتحة تصريحا وتضمنا علم إجمالي بما حواه القرآن من الأغراض . وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلب التفصيل على حسب التمكن والقابلية . ولأجل هذا فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حرصا على التذكر لما في مطاويها .

وأما تسميتها السبع المثاني فهي تسمية ثبتت بالسنة ، ففي ( صحيح البخاري ) عن أبي سعيد ابن المعلى ( أن رسول الله قال : ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ١٣٤