ولولا إيجاز القرآن لكان أداء ما يتضمنه من المعاني في أضعاف مقدار القرآن . وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزيد عن تبصره ، ولا ينبئك مثل خبير . | إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق ، زيادة على جمعه المعاني الكثيرة في الكلام القليل ، قال في الكشاف في سورة المدثر الحذف والاختصار هو نهج التنزيل قال بعض بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قوله تعالى ) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ( : قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة . ومن ذلك قوله تعالى ) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ( الآية ، جمع بين أمرين ونهيين وبشارتين ، ومن ذلك قوله ) ولكم في القصاص حياة ( مقابلا أوجز كلام عرف عندهم وهو القتل أنفى للقتل ، ومن ذلك قوله تعالى ) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ( ولقد بسط السكاكي في المفتاح آخر قسم البيان نموذجا مما اشتملت عليه هذه الآية من البلاغة والفصاحة ، وتصدى أبو بكر الباقلاني في كتابه المسمى إعجاز القرآن إلى بيان ما في سورة النمل من الخصائص فارجع إليهما . | وأعد من أنواع إيجازه إيجاز الحذف مع عدم الالتباس ، وكثر ذلك في حذف القول ، ومن أبدع الحذف قوله تعالى ) في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر ( أي يتذاكرون شأن المجرمين فيقول من علموا شأنهم سألناهم هم فقلنا ما سلككم في سقر . قال في الكشاف قوله ) ما سلككم في سقر ( ليس ببيان للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسؤولين ، أي أن المسئولين يقولون للسائلين قلنا لهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين اه . ومنه حذف المضاف كثيرا كقوله تعالى ) ولكن البر من آمن بالله ( . وحذف الجمل التي يدل الكلام على تقديرها نحو قوله تعالى ) وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ( إذ التقدير : فضرب فانفلق . ومن ذلك الإخبار عن أمر خاص بخبر يعمه وغيره لتحصل فوائد : فائدة الحكم العام ، وفائدة الحكم الخاص ، وفائدة أن هذا المحكوم عليه بالحكم الخاص هو من جنس ذلك المحكوم عليه بالحكم العام .
| وقد تتبعت أساليب من أساليب نظم الكلام في القرآن فوجدتها مما لا عهد بمثلها في