| وقال شمس الدين محمود الأصفهاني في تفسيره نقلا عن الفخر الرازي أنه قال إن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه هو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك . | إن بلاغة الكلام لا تنحصر في أحوال تراكيبه اللفظية ، بل تتجاوز إلى الكيفيات التي تؤدي بها تلك التراكيب .
| فإن سكوت المتكلم البليغ في جملة سكوتا خفيفا قد يفيد من التشويق إلى ما يأتي بعده ما يفيده إبهام بعض كلامه ثم تعقيبه ببيانه ، فإذا كان من مواقع البلاغة نحو الإتيان بلفظ الاستئناف البياني ، فإن السكوت عند كلمة وتعقيبها بما بعدها يجعل ما بعدها بمنزلة الاستئناف البياني ، وان لم يكنه عنه ، مثاله قوله تعالى ) هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ( فإن الوقف على قوله ) موسى ( يحدث في نفس السامع ترقبا لما يبين حديث موسى ، فإذا جاء بعده ) إذ ناداه ربه ( الخ حصل البيان مع ما يحصل عند الوقف على كلمة موسى من قرينة من قرائن الكلام لأنه على سجعة الألف مثل قوله ) طوى ، طغى ، تزكى ( الخ . | وقد بينت عند تفسير قوله تعالى ) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( أنك إن وقفت على كلمة ) ريب ( كان من قبيل إيجاز الحذف أي لا ريب في أنه الكتاب فكانت جملة ) فيه هدى للمتقين ( ابتداء كلام وكان مفاد حرف في استنزال طائر المعاندين أي ان لم يكن كله هدى فإن فيه هدى . وإن وصلت ) فيه ( كان من قبيل الإطناب وكان ما بعده مفيدا أن هذا الكتاب كله هدى . | ومن أساليب القرآن العدول عن تكرير اللفظ والصيغة فيما عدا المقامات التي تقتضي التكرير من تهويل ونحوه ، ومما عدل فيه عن تكرير الصيغة قوله تعالى ) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ( فجاء بلفظ قلوب جمعا مع أن المخاطب امرأتان فلم يقل قلبا كما تجنبا لتعدد صيغة المثنى . | ومن ذلك قوله تعالى ) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ( فروعي معنى ما الموصولة مرة فأتى بضمير جماعة المؤنث وهو خالصة ، وروعي لفظ ما الموصولة فأتي بمحرم مذكرا مفردا .