وتصدى للجواب ، والصواب أن ذلك غير وارد كما قاله المحققون لعدم بلوغه حد الثقل ، ولأن حسن دلالة اللفظ على المعنى بحيث لا يخلفه فيها غيره مقدم على مراعاة خفة لفظه . | فقد اتفق أئمة الأدب على أن وقوع اللفظ المتنافر في أثناء الكلام الفصيح لا يزيل عنه وصف الفصاحة ، فإن العرب لم يعيبوا معلقة امرئ القيس ولا معلقة طرفة . قال أبو العباس المبرد : وقد يضطر الشاعر المفلق والخطيب المصقع والكاتب البليغ فيقع في كلام أحدهم المعنى المستغلق واللفظ المستكره فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام غطتا على عواره وسترتا من شينه . | وأما ما يعرض للهجات العرب فذلك شيء تفاوتت في مضماره جياد ألسنتهم وكان المجلي فيها لسان قريش ومن حولها من القبائل المذكورة في المقدمة السادسة وهو مما فسر به حديث : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، ولذلك جاء القرآن بأحسن اللهجات وأخفها وتجنب المكروه من اللهجات ، وهذا من أسباب تيسير تلقي الأسماع له ورسوخه فيها . قال تعالى ) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( .
| ومما أعده في هذه الناحية صراحة كلماته باستعمال أقرب الكلمات في لغة العرب دلالة على المعاني المقصودة ، وأشملها لمعان عديدة مقصودة بحيث لا يوجد في كلمات القرآن كلمة تقصر دلالتها عن جميع المقصود منها في حالة تركيبها ، ولا تجدها مستعملة إلا في حقائقها مثل إيثار كلمة حرد في قوله تعالى ) وغدوا على حرد قادرين ( إذ كان جميع معاني الحرد صالحا للإرادة في ذلك الغرض ، أو مجازات أو استعارات أو نحوها مما تنصب عليه القرائن في الكلام ، فإن اقتضى الحال تصرفا في معنى اللفظ كان التصرف بطريق التضمين وهو كثير في القرآن مثل قوله تعالى ) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ( فجاء فعل أتوا مضمنا معنى مروا فعدي بحرف على ؛ لأن الإتيان تعدى إلى اسم القرية والمقصود منه الاعتبار بمآل أهلها ، فإنه يقال أتى أرض بني فلان ومر على حي كذا . وهذه الوجوه كلها لا تخالف أساليب الكلام البليغ بل هي معدودة من دقائقه ونفائسه التي تقل نظائرها في كلام بلغائهم لعجز فطنة الأذهان البشرية عن الوفاء بجميعها . | وأما الجهة الثانية وهى ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في أساليب الكلام البليغ وهذه جهة مغفولة من علم البلاغة ، فاعلم أن أدب العرب نوعان شعر ونثر ، والنثر