تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن نظم القرآن مبني على وفرة الإفادة وتعدد الدلالة ، فجمل القرآن لها دلالتها الوضعية التركيبية التي يشاركها فيها الكلام العربي كله ، ولها دلالتها البلاغية التي يشاركها في مجملها كلام البلغاء ولا يصل شيء من كلامهم إلى مبلغ بلاغتها . | ولها دلالتها المطوية وهي دلالة ما يذكر على ما يقدر اعتمادا على القرينة ، وهذه الدلالة قليلة في كلام البلغاء وكثرت في القرآن مثل تقدير القول وتقدير الموصوف وتقدير الصفة .

| ولها دلالة مواقع جمله بحسب ما قبلها وما بعدها ، ككون الجملة في موقع العلة لكلام قبلها ، أو في موقع الاستدراك ، أو في موقع جواب سؤال ، أو في موقع تعريض أو نحوه . وهذه الدلالة لا تتأتى في كلام العرب لقصر أغراضه في قصائدهم وخطبهم بخلاف القرآن ، فإنه لما كان من قبيل التذكير والتلاوة سمحت أغراضه بالإطالة ، وبتلك الإطالة تأتى تعدد مواقع الجمل والأغراض . | مثال ذلك قوله تعالى ) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( بعد قوله ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( فإن قوله ) وخلق الله السماوات والأرض ( إلى آخره مفيد بتراكيبه فوائد من التعليم والتذكير ، وهو لوقوعه عقب قوله ) أم حسب الذين اجترحوا السيئات ( واقع موقع الدليل على أنه لا يستوي من عمل السيئات مع من عمل الصالحات في نعيم الآخرة . | وإن للتقديم والتأخير في وضع الجمل وأجزائها في القرآن دقائق عجيبة كثيرة لا يحاط بها وسننبه على ما يلوح منها في مواضعه إن شاء الله . وإليك مثلا من ذلك يكون لك عونا على استجلاء أمثاله . قال تعالى ) إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا ( إلى قوله ) إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا ( إلى قوله ) وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ( فكان للابتداء بذكر جهنم ما يفسر المفاز في قوله ) إن للمتقين مفازا ( أنه الجنة لأن الجنة مكان فوز . ثم كان قوله ) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ( ما يحتمل لضمير فيها من قوله ) لا يسمعون فيها ( أن يعود إلى ) كأسا دهاقا ( وتكون في للظرفية المجازية أي الملابسة أو السببية أي لا يسمعون في ملابسة شرب الكأس ما يعتري شاربيها

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١ · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١ · ص ١١٠