ومثل هذا الإجراء الذي اتخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للدعوة إلى الإسلام لا نظير له في تاريخ الديانات السابقة، فلم يسبق لأحد من اتباع الديانات الأخرى اتخاذ مثل هذا الإجراء.
ولما كنا نحترم ونقدر داعي كل ديانة صادقة فإننا نستنتج من صمتهم وسكوتهم أن الدعاة كانوا يرون أن دينهم قاصر على أمتهم التي أرسلوا إليها (¬1) دون غيرها من الأمم، فلو خالف اليوم أتباعهم سلوكهم فهذا أمر خاص بهم هم ولا يمكن أن يكون حجة من الناحية الدينية.
في غرة محرم من السنة السابعة للهجرة أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - سفراءه حاملين رسائل الدعوة إلى الإسلام إلى ملوك العالم، وكان كل واحد منهم يعرف لغة القوم الذين أرسل إليهم حتى يمكنه القيام بالدعوة على أحسن وجه (¬2).
ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اتخذ خاتما بعد، فلما كتبت الرسائل إلى ملوك العالم صنع لهذا خاتم من فضة لدمغها به ونقش عليه "محمد رسول الله" (¬3)
ويفهم من هذه الرسائل أن ما أرسل منها إلى ملوك النصارى كان يكتب فيها بصفة خاصة الآية التالية:
﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ...﴾ (3: 64).
AUTO ونذكر هنا بإيجاز أخبار هذه السفارات
:
1 - رسالة إلى ملك الحبشة:
حمل رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملك الحبشة أصحم بن أبجر الملقب بالنجاشي، عمرو ابن أمية الضمري، وكان النجاشي نصرانيا، وننقل هنا هذه الرسالة عن الطبري:
:
(¬1) استغرق سفر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك خمسين يوما ولذا عزل المتخلفين عن أهلهم وعن المسلمين مثل هذه المدة.
(¬2) ورد ذكر جبل سلع في حديث البخاري وعليه نعرف أنه يقع داخل المدينة وكان بيت الصحابي كعب ابن مالك على مقربة منه، وقد ذكر الطبري في بيانه لغزوة الخندق عن ابن إسحاق: وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره والخندق ... إلخ". وهذا يدل على أن المسلمين في غزوة الخندق حين حوصروا في المدينة وهم يواجهون الأعداء نزل الجيش الإسلامي قريبا من جبل سلع، وكان المسلمون أنذاك أمامهم الخندق وسلع من خلفهم، ولحسان بن ثابت شعر في غزوة الخندق يذكر فيه موت عمرو بن عبد ود فيقول:
أمسى الفتى عمرو بن عبد ثاويا ... بجنوب سلع ثارة لم ينظر
وقد جاء هذا البيت من الشعر في قصيدة كعب بن مالك عن غزوة الخندق.
ألا أبلغ قريشا إن سلعا ... وما بين العريض إلى العماد
ولننظر مع هاتين الروايتن ما ورد في كتاب النبي اشعيا، (الأصحاح 43/ 15) والذي ذكر فيه سكان سلع ويتضح منه بجلاء أن اسم المدينة في كتب الأنبياء كان سلع.