رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على رأس الراحلين في سماع الأحاديث، فإن جابر بن عبد الله رحل شهرًا إلى عبد الله بن أنيس في حديثٍ واحد، كما أخرج البخاري رحمه الله في الباب المفرد في باب المعانقة، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (بلغني عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ حديثًا سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا -من أجل الرحلة اشترى بعيرًا- ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرًا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم.
فخرج عبد الله بن أنيس فاعتنقني.
فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الله الناس يوم القيامة عراة أي: يعني غير مختتنين- بهمًا، قلنا: ما بهمًا؟ قال: ليس معهم شيء.
فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة) لا بد من تصفية الحسابات الحديث.
وهذا دليل على أن الصحابة رضوان الله عليهم رغم أنهم كانوا مع النبي ﷺ وسمعوا الأحاديث لكنهم يطلبون المزيد والسماع المباشر، وهذا الحديث الذي يرحل من أجله كان السابقون يقدرون له قيمته، ففي الصحيحين من حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: عبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها)، ثم قال الشعبي: خذها بغيرما شيء -خذ هذا الحديث مجانًا- فقد كان الرجل يرحل في مثلها إلى المدينة، أي: يذهب من الكوفة إلى المدينة من أجل حديثٍ واحد.