أبو ذر: يا ابن السوداء، فشكاه بلال إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال لأبى ذر: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». رواه البخارى فى مواضع، ومسلم بدون ذكر اسم بلال، ولفظ البخارى فى كتاب الأدب عن أبى ذر: كان بينى وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرنى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال لى: «أساببت فلانا؟». قلت: نعم. قال: «أفنلت من أمه؟». قلت:
نعم. قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية». قلت: على ساعتى هذه من كبر السن؟ قال: «نعم هم إخوانكم». إلخ الحديث .. وسيأتى فى الوصية بالرقيق، وروى أن أبا ذر تاب توبة نصوحا حتى أمر بلالا أن يطأ على وجهه.
وأما الثانى فيجمعه مع الأول ما رواه الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهيرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلال الحبشى فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا؟ (يعنى- هذا المنافق- بالرجل النبى صلى الله عليه وسلم وأن الأوس والخزرج من قومه العرب ينصرونه لأنهم من قومه، فما بال الذى يدعو الفارسى والرومى إلى نصره؟)، فقام إليه معاذ بن جبل رضى الله عنه فأخذ بتلبيبته «1»؛ ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته، فقام النبى صلى الله عليه وسلم مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودى: إن الصلاة جامعة «2»، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هى اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربى». فقام معاذ فقال: فما تأمرنى بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النار»، فكان قيس ممن ارتد فى الردة فقتل.
أرأيت لو ظل المسلمون على هذه التربية المحمدية أكان وقع بينهم من الشقاق والحروب باختلاف الجنس واللغة كل ما وقع وأدى بهم إلى هذا الضعف العام؟ أرأيت لو حافظوا على هذه الأخوة الإسلامية أكانت حدثت فيهم تلك الشعوبية المجوسية الأولى، وهذه العصبية التركية الأخرى؟ كلا إنهم لو حافظوا عليهما لعمموا أخواتها، ولأصلحوا بها شعوب الأرض كلها.
يعترض بعض أولى النظر القصير، والبصر الكليل على توحيد اللغة فى الشعوب المختلفة بأنه خلاف طبيعة البشر، ويرد عليهم بأن توحيد الدين أبعد من توحيد الله عن