والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة: 164]، ويلى ذلك فى الكثرة آيات كتابه التشريعية، ووصاياه كقوله فى تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر [سورة الأنعام: 151]: ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، وكرر قوله: أفلا تعقلون أكثر من عشرات كأمره لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يحتج على قومه بكون القرآن من عند الله لا من عنده بقوله: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس: 16]، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله فى أهل النار فى سورة [سورة الملك الآية: 10]: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير، وفى معناها قوله تعالى من [سورة الأعراف: 179]: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون، وقوله فى [سورة الحج: 46]: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها.
كذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة فى الكتاب العزيز، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر، وأن الغافلين الذين يعيشون كالأنعام لا خط لهم منه إلا الظواهر التقليدية التى لا تزكى الأنفس ولا يثقف العقول، ولا تصعد بها فى معارج الكمال، بعرفان ذى الجلال والجمال، ومنها قوله تعالى: أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى [الروم: 8]، وقوله فى صفات العقلاء أولى الألباب: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 191]، وقوله بعد نفى علم الغيب والتصرف فى خزائن الأرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحصر وظيفته فى اتباع الوحى: قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [الأنعام: 50].
وقد صرح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عاقلان فى الأرض من أن التفكر هو مبدأ ارتقاء البشر، وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه.
كانت التقاليد الدينية قد حجرت حرية التفكر واستقلال العقل على البشر. حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من هذا الرق، وقد تعلم هذه الحرية أمم الغرب من المسلمين، ثم نكس هؤلاء المسلمون على رءوسهم فحرموها على أنفسهم إلا قليلا منهم حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن أجدادهم، وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم وإمامتهم لهم فيها وفى ثمراتها، ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم فى كتاب (الإسلام والنصرانية).