وهو يتحدى الرأي العام عند مقتل بطرس غالي فيرثيه شعرا، وينشر في المقطم مقالا بعنوان «بطرس غالي في موكبه الأخير» (الصحائف السود ص101)، يستهله بقوله: «مشى بعاصمة مصر يوم الثلاثاء 22 فبراير سنة 1910 مشهد لم تشهد مثله، ذاك مشهد بطرس غالي العظيم من كرسي الرياسة إلى مضجع الأبد؛ لله درك من ظاعن ... قال النعاة: قتل أحد الباغين بطرس باشا غالي. قلت: لقد قتل مصر.» وهو يدافع عن الوزير الذي أثارت تصرفاته سخط الوطنيين بقوله: «ماذا جنى هذا الفقيد المظلوم، صاح أكثرهم مذكرا بحادث دنشواي، وتشدق آخرون باتفاق إنجلترا ومصر على السودان، وشكا غيرهم من قانون المطبوعات، وهل كان لهذا الوزير هذا القدر من النفوذ بالإرادة والخيار في الفعل؟ ومن أهاج أهل دنشواي ومن أتى بقانون المطبوعات: سائلوا تلك الجرائد التي تود أن توقع البلد في الهلاك، عسى أن توافيكم بجواب سديد.» ثم يضيف : «الأقباط هم أولو مصر قبل كل مصري، ما زال الجور يتصيدهم حتى قلوا عددا، ووفرتم وخسروا، وكسبتم ثم من الله بعدله، فقالوا نحن إخوان، أفلا تريدون أن تكونوا لهم إخوانا؟ فما لهذه البراثن إذن داميات؟»
وهو عندما يضطهد جميل صدقي الزهاوي لحرية فكره، ويتهم بالكفر والزندقة، يجرد قلمه للدفاع عنه ودعوة الأدباء إلى مناصرته في مقالين حارين نجدهما في «التجاريب» تحت عنوان «التعصب يخرج الحرية من ديارها، هلموا إلى نجدتها يا أحرار» (ص19-28)، و«الأحرار وأعداؤهم» (ص29-39)، وقد بدأ المقال الأول بقصيدته التي مطلعها:
أسير بدار الظلم أعياه آسره
أما من فتى في الناس حر يناصره
أفي الناس أحرار وفيهم أحبة
فما لأخيهم لا يرى من يؤازره
وفيها يستثير الهمم لنصرة الزهاوي قائلا: «إن ينزل بالزهاوي نازل من الظلم فتلك سبيل أبناؤكم سالكوها غدا، فإلا يحزنكم مصرعه، فإن في مصارع أبنائكم ما يستدر جامدات العبرات، إيه لكم، قطعت الشعوب أشواطا في منازل الحياة، ونحن إلى الوراء راجعون، لا تكونوا واسطة السوء بين الأسلاف والأخلاف، أما لتقذفن لكم الأرحام بأضاحي كالتي شهدتم تلبسون ليومها السواد، ويطول عليها أنينكم تحت طيات الدياجير.»
وهو في المقال الثاني عن «الأحرار وأعداؤهم» يهاجم رجال الدين هجوما عنيفا، فيقول: «الآكل من كسب غيره وهو قاعد لا يحمل نفسه عناء السعي لرزقه، وإذا علمت الأمة حقائق الأشياء، وبصرت بضلالات أهل التعصب، قبضت عنهم جدواها ومنعتهم ورد جودها، والقوم يعلمون ذلك ولا يدانيهم فيه ريب، فمن أي الطرق يأتي نحوهم الإنصاف، لو جمعنا العمائم التي بالبلاد العثمانية، وجعلنا بعضها فوق بعض بنينا حصنا يعجز عن هدمه أسطول إنجلترا بأسره، ما في هذه الجوازات ما يرجى منه أقل الفوائد إلا آحاد لا يصعب تسميتها، وما بقي من ذلك الجمع العديد فأنصار للاستبداد سواء عليهم حق وباطل، لا يعجبهم من الحياة الدنيا إلا الجفان، أو ما يكون ثمنا للجفان.
أروني واحدا من هؤلاء المبردين يكون جاد بدرهم واحد في خير يريده، ثم إذا التفت عليهم المحافل ألفينا كل عثنون كحديدة الفأس، يضطرب غضبا لرأي رآه أحد العقلاء، فكم من عنفقة كذنب السمكة تهتز على أثرها وتغضب لغضبها، ما أشقانا بهذه المخلوقات!»
وهو يناصر قضية المرأة بشعره ونثره، فيقول في «الصحائف السود ص9»: «قالوا: إن تعليم البنات مهيع إلى إفسادهن، وما في القائلين بذلك من تعلمت أمه وعرف فسادها.» بل ويكتب في نفس «الصحائف السود» مقالا خاصا عن المرأة يقص فيه مصارع ثلاث نسوة، إحداهن قتلها الاستبداد، والثانية أرداها الجهل، والثالثة أودى بها الحجاب.
أما الأولى فقد اشتراها باشا يقيم في إحدى قرى ولاية سيواس، ولكنها كانت تنفر منه ولا تلبي رغباته، بل واحتالت فأنفذت لأبيها كتابا تشكو فيه الحياة، وتعبر عما تجد من اشتياق إلى أهلها، وعلم بذلك الباشا فقتلها.